واشنطن تعيد إطلاق مبادرة دبلوماسية لكسر جمود المشهد السياسي الليبي

بعد أربعمئة وثلاثة أيام من المفاوضات العالقة، يبدو أن الملف الليبي يقترب من منعطف حاسم. مبادرة دبلوماسية أمريكية جديدة، تحظى بدعم الأمم المتحدة، تعمل بنشاط على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية الليبية وصياغة اتفاق لتقاسم السلطة بين الفصائل المتناحرة. يمثل هذا الحراك أوسع انخراط دولي في الأزمة الليبية منذ إعلان وقف إطلاق النار عام 2020.

تقارير من طرابلس وواشنطن خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية كشفت عن جهود مكثفة لإعادة رسم الخارطة السياسية الليبية. يرتكز النهج الأمريكي على صيغة جديدة لتوزيع السلطة تكرس موازين القوى الحالية مع فتح مسارات للحكم الموحد. يأتي هذا وسط تصعيد استخباراتي ودبلوماسي متسارع في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

المبادرة الأمريكية: التفاصيل الأساسية

يركز المشروع الأمريكي الأحدث على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية الليبية عبر آلية معدلة لتقاسم السلطة. وبحسب مصادر خاصة لـ"ليبيا برس"، يتضمن المشروع بنوداً تمنح صدام حفتر دوراً مؤسسياً في إطار حكم معاد التشكيل. تسعى المبادرة إلى إضفاء الشرعية على مناطق النفوذ القائمة مع إرساء آليات تعاون بين مركزي السلطة في الشرق والغرب.

عززت واشنطن انخراطها الدبلوماسي بعد ضغوط حلفاء إقليميين في الشرق، مما غير المعادلات لصالح التسوية. يختلف النهج الأمريكي عن الجهود الدولية السابقة بتركيزه على الواقع الميداني بدلاً من الأطر المؤسساتية المثالية. يصف محللون هذا النموذج بـ"التسوية الواقعية" التي تقر ببنية القوى القائمة بدلاً من تجاوزها.

الدور الأممي والإطار الدولي

تكمل الأمم المتحدة المسار الأمريكي بإطار دبلوماسي يهدف إلى تسهيل الحوار بين الأطراف الليبية. تعمل البعثة الأممية على تهيئة الظروف لمفاوضات سياسية شاملة تعالج الحكم والأمن والإصلاح الاقتصادي في آن. يلاحظ مراقبون دوليون أن تقاطع الجهود الأمريكية والأممية يخلق زخماً غير مسبوق لتسوية شاملة.

يجمع النهج المزدوج بين نفوذ واشنطن على الفاعلين الليبيين وسلطة الأمم المتحدة التشريعية وشرعيتها الدولية. تشير مصادر دبلوماسية إلى تعزيز التنسيق بين المبعوثين الأمريكيين وممثلي الأمم المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة، مع عمل الجانبين نحو أهداف متكاملة بدلاً من أجندة متنافسة.

ما الذي تتضمنه خطة التسوية

  • إعادة هيكلة السلطة التنفيذية الليبية لتشمل تمثيلاً مؤسسياً لجميع مراكز القوى الرئيسية
  • صيغة لتقاسم السلطة تقر بالسيطرة الإقليمية والمؤسسية القائمة مع إنشاء آليات صنع قرار موحدة
  • ترتيبات أمنية تتناول وجود الجماعات المسلحة والقوات الأجنبية عبر الأراضي الليبية
  • إصلاحات الحكم الاقتصادي تكفل إدارة شفافة لإيرادات النفط والموارد الوطنية
  • جدول زمني للتحضير الدستوري وانتخابات وطنية لاحقة تحت إشراف موحد

الديناميكيات الإقليمية والدعم الشرقي

اكتسبت المبادرة الأمريكية زخماً حاسماً بعد حصد تأييد قوى إقليمية شرقية رئيسية. أدى هذا الدعم فعلياً إلى كسر صمت حكومة الدبيبة في طرابلس التي عارضت مقترحات إعادة الهيكلة الخارجية سابقاً. أحدث التحول في التحالفات الإقليمية ضغوطاً جديدة على الفاعلين الليبيين الغربيين للانخراط البناء في عملية التسوية.

تسارعت التعاون الاستخباراتي بين الفاعلين الإقليميين والبعثات الدبلوماسية الأمريكية، مع تأكيد مصادر متعددة عقد اجتماعات رفيعة المستوى خلال الأسابيع الأخيرة. يضيف البعد الإقليمي تعقيداً وفرصة في آن، إذ تسعى الدول المجاورة إلى استقرار ليبيا لمعالجة مخاوفها الأمنية والاقتصادية.

لماذا يهم هذا مستقبل ليبيا

يمثل التقاء الجهود الدبلوماسية الأمريكية والأممية فرصة حقيقية لكسر الجمود السياسي الليبي الممتد. لملايين الليبيين الذين عانوا أكثر من عقد من الحكم المجزأ والاقتصاد المتهالك والتحديات الأمنية، يوفر أفق الحكومة المتحدة أملاً ملموساً. يمكن أن يؤدي التنفيذ الناجح إلى إطلاق مشاريع إنمائية مجمدة واستعادة الخدمات العامة وتهيئة ظروف التعافي الاقتصادي.

غير أن عقبات كبيرة لا تزال قائمة. انهارت محاولات تسوية سابقة جراء تنافس الفصائل والتدخل الخارجي وغياب آليات الإنفاذ. يعتمد نجاح المبادرة الحالية على الالتزام الدولي المستدام والإرادة الحقيقية لدى الأطراف الليبية للتنازل من أجل المصلحة الوطنية.

نظرة مستقبلية: الطريق إلى الأمام

ستكون الأسابيع القادمة حاسمة. تشير مصادر دبلوماسية إلى أن إعلانات رسمية حول الهيكل التنفيذي الجديد قد تصدر خلال أيام إذا توصلت المفاوضات الجارية إلى توافق. يراقب المجتمع الدولي الوضع عن كثب، مع إشارة كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة إلى أن نافذة الفرصة هذه لن تظل مفتوحة إلى ما لا نهاية.

لا يمكن أن تكون المخاطر أعلى من ذلك بالنسبة لليبيا. ستمثل التسوية الناجحة بداية فصل جديد – فصل تعرفه المؤسسات الموحدة والمساءلة وآفاق السلام الدائم بعد سنوات من الانقسام.

— ليبيا برس / مكتب السياسة