هل الحكومة عاجزة أمام غلاء المعيشة؟ خبير اقتصادي يكشف لـ «عين ليبيا» الحقيقة الصادمة

صراع الدينار الليبي وتبخّر القوة الشرائية للطبقة الوسطى

يواجه المواطن الليبي اليوم ضغطاً اقتصادياً خانقاً وغير مسبوق، حيث تستمر تكاليف المعيشة في الارتفاع بشكل جنوني في كافة المدن، من طرابلس إلى بنغازي. هذا التضخم الممنهج جعل العديد من الأسر تقف عاجزة تماماً عن توفير أبسط الاحتياجات الأساسية — بما في ذلك الأدوية والتغذية الضرورية — وذلك على الرغم من الثروات النفطية الهائلة التي تمتلكها البلاد، والتي يُفترض أن تضمن حياة كريمة لكل مواطن.

وفي تصريح خاص لشبكة «عين ليبيا»، أكد الخبير الاقتصادي وحيد الجبو أن عجز الحكومة عن تحقيق استقرار اقتصادي ليس ناتجاً عن نقص في الموارد المالية أو الميزانيات، بل هو نتيجة مباشرة لفشل عميق في الإدارة الاستراتيجية المالية. وأوضح أن التقلبات الحادة والمستمرة في سعر صرف الدينار الليبي هي المحرك الأساسي والشرارة التي تشعل الارتفاع الجنوني في أسعار السلع المستوردة، والتي تشكل العمود الفقري للسوق المحلية.

تحليل عميق: الأسباب الجذرية لتضخم الأسعار المزمن

يرى الجبو أن حالة التخبط وعدم الاستقرار في سعر الصرف تخلق بيئة فوضوية وغير قابلة للتنبؤ داخل الأسواق. هذا القلق يدفع التجار وكبار الموردين إلى رفع الأسعار بشكل استباقي — فيما يعرف بعملية "التحوط" — لحماية رؤوس أموالهم من أي انخفاض مفاجئ في قيمة العملة. ولسوء الحظ، فإن هذا السلوك المضاربي ينعكس مباشرة وبقسوة على جيب المواطن البسيط في كل عملية شراء يومية.

  • تذبذب العملة: التغيرات المتكررة والسريعة في قيمة الدينار تزعزع استقرار هيكل التسعير بالكامل، مما يجعل التخطيط المالي طويل المدى أمراً مستحيلاً بالنسبة للمواطنين.
  • الارتهان القاتل للاستيراد: اعتماد ليبيا المفرط على الواردات الخارجية لتأمين السلع الأساسية يعني أن أي اهتزاز في العملات العالمية أو انخفاض في قيمة العملة المحلية يشعر به المواطن فوراً في محلات البقالة.
  • فراغ الرقابة النقدية: ضعف الرقابة على سوق الصرف الأجنبي وغياب الشفافية سمحا بازدهار تجارة المضاربة، مما أدى إلى تضخيم قيمة الدولار بشكل اصطناعي ومبالغ فيه.

صناع القرار.. "إبحار بلا بوصلة" في مهب الريح

من جانبه، وصف البروفيسور يوسف يخلف مسعود، المستشار الاقتصادي لدى اتحاد عمال ليبيا، نهج القيادة الحالية في إدارة الاقتصاد بأنه "إبحار بلا بوصلة". وأشار إلى أن المسؤولين لم يكتفوا بموقف المتفرج، بل ساهموا فعلياً في تدهور قيمة العملة بسبب رفضهم تنفيذ خارطة طريق اقتصادية متماسكة ومبنية على الأدلة والبيانات.

وتبقى المفارقة الليبية صارخة ومؤلمة: دولة تجلس فوق بحيرة من النفط، بينما يجد رب الأسرة الليبية نفسه عاجزاً تماماً عن توفير أبسط متطلبات التعليم والصحة لأطفاله. إن الفجوة بين الثروة الوطنية المليارية والقوة الشرائية الفردية تتسع بمعدل مرعب، مما يخلق بيئة اجتماعية متوترة وغير مستقرة.

"المعادلة المستحيلة" للبقاء على قيد الحياة

بالنسبة للموظف الليبي العادي، أصبح الراتب الشهري مجرد "خدعة بصرية" تختفي بسرعة. يذكر الكثيرون أن رواتبهم تتبخر قبل منتصف الشهر، حيث تلتهمها تكاليف الكهرباء والمياه والغذاء الأساسي. هذه "المعادلة المستحيلة" للعيش — حيث لا يمكن للدخل أن يواكب التضخم — تدفع بالطبقة الوسطى التي كانت مستقرة يوماً ما نحو حافة الفقر.

أما التأثير النفسي فهو لا يقل خطورة؛ فعندما يرى المجتمع ثروات هائلة في أرضه بينما لا يستطيع تحمل تكلفة لتر من الحليب أو علبة دواء، فإن الثقة في المؤسسات الحكومية تنهار، مما يؤدي إلى زيادة الاحتكاك الاجتماعي واليأس الاقتصادي.

المسارات الاستراتيجية نحو تعافٍ حقيقي

ولمكافحة هذه الأزمة الممنهجة، يشدد الخبراء على ضرورة الانتقال من "سياسات رد الفعل" المؤقتة — مثل الدعم الذي يخفي المشكلة فقط — إلى "إصلاحات هيكلية استباقية" طويلة المدى. يجب أن يتضمن مخطط التعافي ما يلي:

  • تنويع الاقتصاد: الاستثمار في الزراعة المحلية والصناعة لتقليل الاعتماد القاتل على الاستيراد.
  • انضباط نقدي صارم: تنفيذ ضوابط صارمة على المضاربة بالعملات وتوحيد أسعار الصرف لوقف تحكم "السوق السوداء" في الأسعار.
  • شفافية الإنفاق: إجراء تدقيق واضح في كيفية إدارة الإيرادات النفطية لضمان تحويل الثروة الوطنية إلى خدمات عامة ملموسة.

بدون سياسة نقدية شفافة ومنضبطة وشجاعة، فإن دائرة الفقر ستستمر في التسارع. يجب أن يكون الهدف هو الانتقال من مجرد "البقاء" إلى بناء نموذج اقتصادي مستدام يخدم جميع الليبيين، وليس فقط فئة قليلة مختارة.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد