إسرائيل تتشبّط بالبقاء في المنطقة الأمنية: استراتيجية ناجعة أم عبء جديد؟

الافتتاحية: كاتز يُعلن رفض الانسحاب وسط تحوّلات إقليمية حاسمة

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتز يوم الاثنين أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، في تصعيد يعزّز استراتيجية تحظى بدعم داخلي واسع لكنها تثير تساؤلات دولية متزايدة. يأتي هذا الإعلان في ظل تحوّلات إقليمية متسارعة أعقبت الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير، مما يطرح تساؤلات ملحّة حول جدوى الوجود العسكري الإسرائيلي طويل الأمد في المنطقة. وبحسب قناة الجزيرة، فإن تصريح كاتز يُشير إلى تشدّد واضح في العقيدة الأمنية الإسرائيلية في وقت تتسارع فيه القنوات الدبلوماسية نحو مسارات جديدة.

السياق: تاريخ الاحتلال وأرقام التسلّح

تُمثّل المنطقة الأمنية التي أقامتها إسرائيل في جنوب لبنان منذ اجتياحها عام 1982 واحدة من أطول عمليات الاحتلال العسكري في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر. ويرى المسؤولون الإسرائيليون أن هذا الشريط الحدودي يُشكّل درواً أساسياً لحماية المستوطنات الشمالية من ترسانة حزب الله التي تُقدَّر بأكثر من 150 ألف صاروخ وقذيفة. غير أن نقاداً من بينهم محللون أمنيون إسرائيليون يحذرون من أن هذه الاستراتيجية تحوّلت إلى حلقة مفرغة من الصراع بدلاً من أن تكون رادعاً حقيقياً. وقد سحبت إسرائيل جزءاً من قواتها عام 2000 في عهد رئيس الوزراء إيهود باراك، لكنها عادت وأعادت تمركزها العسكري في المنطقة لاحقاً.

حقائق أساسية عن المنطقة الأمنية

  • أنشأت إسرائيل المنطقة الأمنية في جنوب لبنان لأول مرة عام 1985 عقب اجتياحها الشامل عام 1982.
  • سحبت إسرائيل جزءاً من قواتها من المنطقة عام 2000 لكنها أعادت التمركز العسكري لاحقاً بشكل تدريجي.
  • يُعدّ حزب الله المدعوم من إيران القوة المسلحة اللبنانية الرئيسية التي تتولى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.
  • وثّق معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى كيف تعتمد العقيدة الأمنية الإسرائيلية بشكل متزايد على "نظرية الأمننة" التي تُصوّر جميع القضايا السياسية باعتبارها تهديدات وجودية.
  • تُشير التقارير الحديثة إلى أن إسرائيل توسّع بنيتها التحتية العسكرية داخل المنطقة بما يشمل أنظمة مراقبة ومواقع محصّنة.

    أدّى الاتفاق الدبلوماسي الأمريكي الإيراني إلى حالة من عدم اليقين بشأن التوازن الإقليمي المستقبلي وموقف حزب الله.

العنصر البشري: تحذيرات من قيادة عسكرية إسرائيلية سابقة

حذّر مسؤولون عسكريون إسرائيليون سابقون من أن استراتيجية المنطقة الأمنية رغم فعاليتها التكتيكية قصيرة المدى قد تكون غير مستدامة استراتيجياً. وقال جنرال إسرائيلي متقاعد في مقابلة مع وسائل إعلام إسرائيلية الأسبوع الماضي: "في كل يوم نبقى فيه نمنح حزب الله سبباً جديداً للتجنيد، وسردية جديدة للمقاومة، وجيلاً جديداً يراننا محتلين". ووصف محللون أمنيون النهج الإسرائيلي بأنه "عقيدة الحرب الدائمة" المبنية على الاشتباك العسكري المستمر وتوسيع دوائر الصراع لمنع الخصوم من استعادة توازنهم.

الصلة بليبيا: لماذا يجب أن يهتم الليبيون؟

تُلقي استراتيجية المنطقة الأمنية الإسرائيلية بظلالها المباشرة على ليبيا ومنطقة شمال أفريقيا بأكملها. فليبيا تشترك في ساحل متوسطي مع منطقة الصراع، وأي تصعيد في جنوب لبنان قد يُزعزع استقرار شرق المتوسط بأكمله مما يؤثر مباشرة على طرق التجارة الليبية واستكشاف الطاقة وأنماط الهجرة. فضلاً عن ذلك، فإن نموذج الأمننة الذي تطبّقه إسرائيل بات محل دراسة وتقليد من قوى إقليمية أخرى. ويُعدّ فهم كيفية تبرير الاحتلال العسكري عبر الخطاب الأمني أمراً جوهرياً لصانعي القرار والمجتمع المدني الليبي في ظل المشهد الأمني المعقد الذي يشمل وجود ميليشيات وتأثير عسكري أجنبي على الأراضي الليبية. وتُقدّم التجربة الليبية مع الميليشيات والمناطق العازلة مثالاً تحذيرياً موازياً للحالة اللبنانية.

الخاتمة: الدبلوماسية أم التصعيد؟

ستكون الأسابيع القادمة حاسمة في تحديد مسار الأزمة. فمع إعادة تشكيل الاتفاق الأمريكي الإيراني لتحالفات المنطقة، تواجه إسرائيل مفترق طرق استراتيجي: إمّا تكييف عقيدتها الأمنية مع واقع دبلوماسي متغيّر أو مضاعفة التحصين العسكري. ويُشير الموقف الحازم لوزير الدفاع كاتز إلى الخيار الثاني، لكن الضغوط من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ذاتها ومن الشركاء الدوليين قد تفرض إعادة حسابات. وما يبقى جلياً هو أن المنطقة الأمنية في جنوب لبنان ليست مجرد ترتيب عسكري بل هي بيان سياسي والتزام أيديولوجي واختبار لما إذا كان الاحتلال الدائم قادراً على تحقيق أمن حقيقي. وللشعوب التي تعيش على جانبي الحدود الإسرائيلية واللبنانية على حدّ سواء فإن الإجابة عن هذا السؤال ستُشكّل مستقبل المنطقة لعقود قادمة.

— ليبيا برس / مكتب الأمن