ليبيا على مفترق الطرق: هل تنجح المبادرات السياسية الجديدة في إنهاء الانقسام؟

بعد 12 عاماً من التشرذم السياسي، تدخل ليبيا مرحلة حاسمة تتزاحم فيها المبادرات المحلية والدولية لكسر الجمود.

تقف ليبيا اليوم عند مفترق طرق جديد في أزمتها الممتدة. منذ عام 2014، انقسمت البلاد بين إدارتين متنافستين — حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً في طرابلس، وحكومة موازية في الشرق. هذا الانقسام السياسي والمؤسساتي أدى إلى شل مؤسسات الدولة، وتعميق الأزمة الاقتصادية، وزيادة الانقسامات الاجتماعية بين الليبيين.

خارطة طريق الأمم المتحدة والحوار المُهيكل

في أغسطس 2025، كشفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن خارطة طريق سياسية شاملة تهدف إلى حكم موحد وإجراء انتخابات وطنية. ويشكل "الحوار المُهيكل"، الذي انطلقت أعماله في ديسمبر 2025، الركن الثاني من هذه الخارطة، حيث جمع الفصائل السياسية الليبية الرئيسية لمعالجة الخلافات حول الترتيبات الدستورية وقوانين الانتخابات وتوحيد المؤسسات الأمنية.

يعمل الحوار على مبدأ بناء التوافق تدريجياً، بمعالجة القضايا الأقل خلافاً أولاً لبناء الزخم اللازم. وبحسب البعثة الأممية، يهدف هذا النهج إلى بناء الثقة حيث فشلت المفاوضات السابقة التي كانت تفرض من أعلى إلى أسفل.

المبادرات الإقليمية والمحلية تتزايد

إلى جانب العملية التي تقودها الأمم المتحدة، كثفت الأطراف الإقليمية مشاركتها. فقد قدمت كل من تونس والجزائر ومصر أطر عمل مختلفة تهدف إلى دعم المصالحة الليبية. كما جدد الاتحاد الأفريقي التزامه بتسهيل حوار سياسي شامل بمشاركة جميع الأطراف الليبية.

على الصعيد المحلي، تزايدت مجالس الوساطة القبلية وجهود المصالحة البلدية. ففي جنوب ليبيا، عقد شيوخ وأعيان المنطقة جولات حوار متعددة تهدف إلى تهدئة النزاعات المجتمعية التي تغذي المأزق السياسي الأوسع. وتزداد قناعة المراقبين بأن هذه المبادرات الشعبية ضرورية لأي تسوية دائمة، رغم أنها أقل ظهوراً إعلامياً من المبادرات الدولية.

لكن تزاحم المبادرات أثار مخاوف تتعلق بالتنسيق. ويشير محللون إلى أن "الخطر لا يكمن في قلة المبادرات، بل في كثرتها دون إطار موحد". فالمصالح الدولية المتباينة والأجندات المحلية المتنافسة أدت أحياناً إلى خلق ارتباك بدلاً من الوضوح.

العقبات الرئيسية أمام تحقيق الاختراق

رغم النشاط الدبلوماسي المكثف، لا تزال عقبات جوهرية قائمة. تظل مسألة الرئاسة — من يحق له الترشح وكيف توزع السلطات — موضع خلاف بين الأطراف الرئيسية. كما تلعب العوامل الاقتصادية دوراً حاسماً، حيث تظل السيطرة على عائدات النفط وحوكمة المصرف المركزي وتخصيص الميزانية ملفات شائكة لم تُحسم بعد.

  • الخلافات حول القانون الدستوري وقانون الانتخابات مستمرة بين الفصائل الرئيسية
  • إدارة عائدات النفط وحوكمة المصرف المركزي لا تزال موضع تجاذب
  • تجزؤ القطاع الأمني يعرقل تنفيذ أي اتفاق سياسي
  • الأطراف الدولية تحمل أولويات ومصالح متباينة
  • فقدان الثقة بين المؤسسات الشرقية والغربية لا يزال عميقاً

ويمثل توحيد القطاع الأمني عقبة رئيسية أخرى. فالقيادات العسكرية المتنافسة والجماعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة تخلق بيئة يصعب فيها تطبيق الاتفاقات السياسية على أرض الواقع.

ما ينتظره الليبيون من العملية السياسية

بالنسبة للمواطن الليبي العادي، فإن العملية السياسية ليست تمريناً دبلوماسياً مجرداً، بل لها تأثير مباشر على حياته اليومية. فانقطاع التيار الكهربائي المزمن، وأزمات السيولة في المصارف، والتضخم، وتدهور الخدمات العامة — كلها أعراض للانقسام المؤسساتي الذي يعاني منه البلد. والحكومة الموحدة بالنسبة لمعظم الليبيين ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لاستعادة الخدمات الأساسية والاستقرار الاقتصادي وسيادة القانون.

ودعت منظمات المجتمع المدني في مختلف أنحاء ليبيا إلى إشراك أوسع في العملية السياسية، مؤكدة أن الاتفاقات التي تفرض من أعلى دون مشاركة شعبية حقيقية لن تصمد. وطالبت مجموعات نسائية وشبابية ونقابات مهنية بتمثيل أكبر في منتديات الحوار، مشددة على أن السلام المستدام يتطلب مشاركة مجتمعية واسعة.

الطريق إلى الأمام

الأشهر المقبلة ستكون حاسمة. فمع استمرار الحوار المُهيكل وضغط الوسطاء الإقليميين لتحقيق تقدم ملموس، فإن نافذة الفرصة المتاحة تواجه ضغوطاً متعددة. الواضح أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار — مؤسسات ليبيا تحت ضغط، والاقتصاد ينزف، وصبر الليبيين نفد بعد سنوات من الوعود التي لم تُنجز.

المبادرات المطروحة تمثل فرصاً حقيقية، لكن شريطة أن تتقارب نحو تسوية ليبية حقيقية تعالج جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بإدارة أعراضها. النجاح مرهون بالإرادة السياسية للفاعلين الليبيين، وتماسك الدعم الدولي، وتحسينات ملموسة تمس حياة الليبيين اليومية.

— ليبيا برس / مكتب الأخبار