احتياطيات ليبيا المجمدة: 67 مليار دولار مؤشرات أممية قوية تفتح الباب أمام إعادة الاستثمار

الأمم المتحدة تشير إلى تحول تاريخي: إمكانية الإفراج عن الاحتياطيات النقدية المجمدة لهيئة الاستثمار الليبية

تلقت ليبيا إشارات إيجابية من الأمم المتحدة تفيد بأن جزءاً من احتياطياتها النقدية المجمدة في الخارج قد يُفرج عنه قريباً لإعادة استثماره، في انفراجة محتملة لأزمة مالية مستمرة منذ أكثر من عقد. وتسعى هيئة الاستثمار الليبية، التي تدير صندوق الثروة السيادية للبلاد، منذ عام 2011 إلى استعادة القدرة على التعامل بهذه الأموال التي جُمّدت بموجب العقوبات الدولية.

ويأتي هذا التطور بعد أن أصدرت لجنة مجلس الأمن الدولي مذكرة المساعدة على التنفيذ رقم 8 في 6 يوليو 2026، والتي تقدم إرشادات تفصيلية حول آلية تطبيق الإعفاء المنصوص عليه في القرار 2769 (2025) الخاص بإعادة استثمار جزء من الاحتياطيات المجمدة.

مضمون القرار الأممي الجديد

في يناير 2025، اتخذ مجلس الأمن قراراً تاريخياً بإصلاح نظام العقوبات المفروض على المؤسسة الليبية للاستثمار. القرار رقم 2769 يسمح للهيئة باستثمار احتياطياتها النقدية بشروط محددة، أبرزها أن تظل الأموال المُعاد استثمارها وأي أرباح متولدة عنها خاضعة لنفس القيود المطبقة على المبلغ الأصلي.

وتعمل المذكرة التوجيهية الجديدة IAN 8 على توضيح الاحتياطيات النقدية المؤهلة لإعادة الاستثمار، وتحدد التزامات الإبلاغ والرقابة، مما يزيل كثيراً من الغموض القانوني الذي كان يعرقل تعامل البنوك الدولية مع معاملات الهيئة.

حجم الثروة الليبية المجمدة

تشرف هيئة الاستثمار الليبية على أصول تُقدر بنحو 67 مليار دولار، مما يجعلها واحدة من أكبر صناديق الثروة السيادية في أفريقيا. ويتكون جزء كبير من هذه الأصول من احتياطيات نقدية محتفظ بها في بنوك أوروبية وأمريكية، ظلت مجمدة منذ عام 2011 وحققت عوائد ضئيلة جداً، بينما يعاني الاقتصاد الليبي المحلي من أزمات سيولة حادة وتدهور في قيمة العملة الوطنية.

ووفقاً لتقارير مجموعة الأزمات الدولية، تشمل الاحتياطيات المجمدة أموالاً مودعة في مؤسسات مالية كبرى مثل سوسيتيه جنرال وبي إن بي باريبا ويونيكريديت وبنك أوف أمريكا. وقد كلّف عدم القدرة على إدارة هذه الأصول بشكل فعّال ليبيا مليارات الدولارات من العوائد المحتملة على مدى 15 عاماً.

الآثار الاقتصادية المرتقبة

الإفراج المحتمل عن جزء من هذه الاحتياطيات يعيد الاستثمار قد يمنح الاقتصاد الليبي دفعة قوية. ويمكن لهيئة الاستثمار توجيه الأموال نحو مشاريع البنية التحتية، أو دعم الدينار الليبي، أو الاستثمار في قطاعي الصحة والتعليم، أو تنويع المحافظ الاستثمارية الدولية.

تواجه ليبيا تحديات اقتصادية ملحة: التضخم يلتهم القوة الشرائية للمواطنين، القطاع المصرفي لا يزال مجزأً، وتقلب عائدات النفط يخلق حالة من عدم اليقين المالي. والوصول إلى احتياطيات قابلة لإعادة الاستثمار يمكن أن يشكل حاجز أمان حيوياً للاقتصاد الليبي.

شروط الإعفاء وآليات الرقابة

يأتي إعفاء إعادة الاستثمار بشروط صارمة لضمان عدم إساءة استخدام الأموال. يجب أن تتم جميع المعاملات عبر مؤسسات مالية معتمدة مسبقاً من لجنة مجلس الأمن، مع تقديم تقارير ربع سنوية عن حالة الأصول المعاد استثمارها.

أبرز الشروط الأساسية:

  • يجب أن يظل رأس المال المُعاد استثماره مجمداً بنفس الوضع القانوني السابق
  • تلتزم هيئة الاستثمار بتقديم خطط استثمارية مفصلة للمراجعة المسبقة
  • يمنع تماماً إشراك أي كيانات أو أفراد خاضعين للعقوبات
  • عمليات تدقيق سنوية مستقلة للتحقق من الامتثال للقرار
  • أي عمليات سحب غير مصرح بها تبقى محظورة وتخضع للتحقيق الفوري

السياق السياسي والتوقعات المستقبلية

توقيت هذا التطور مهم في مسار ليبيا السياسي. فقد شهدت البلاد استقراراً نسبياً في الأشهر الأخيرة، كما خضعت هيئة الاستثمار الليبية لإصلاحات داخلية تهدف إلى تحسين الشفافية والحوكمة — وهي خطوات تعتبرها الأوساط الدولية شرطاً أساسياً لأي تخفيف للعقوبات.

أعرب الشركاء الدوليون، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عن دعمهم الحذر للتطبيع التدريجي للوضع المالي الليبي، مؤكدين أن الإفراج عن الأصول يجب أن يتزامن مع تقدم مستمر في المصالحة السياسية ومكافحة الفساد. بالنسبة لليبيين العاديين، يمثل هذا التطور أملاً في أن تتحول الثروة الوطنية الخاملة أخيراً إلى محرك لإعادة بناء البنية التحتية وخلق فرص اقتصادية حقيقية.

ستكون الأشهر المقبلة حاسمة، حيث تستعد هيئة الاستثمار الليبية لتقديم مقترحاتها الأولى لإعادة الاستثمار وفق الضوابط الجديدة. وفي حال نجاح هذا النهج التدريجي، فقد يُشكل سابقة للتطبيع الكامل للوضع المالي الدولي لليبيا في المستقبل.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد