الفصائل الليبية تتفق على خارطة طريق تاريخية لإجراء الانتخابات في 2027

اختراق سياسي بعد سنوات من الجمود

تبنّت ثلاث هيئات سياسية رئيسية في ليبيا خارطة طريق تاريخية تنص على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة بحلول السابع عشر من فبراير 2027. وقد توصّل الطرفان إلى هذا الاتفاق يوم الخميس بين عقيلة صالح عيسى رئيس مجلس النواب وقادة آخرين، وهو ما يُشكّل أبرز خطوة نحو إنهاء أكثر من عقد من الانقسام السياسي في هذا البلد الأفريقي الشمالي. وأكدت مصادر إعلامية دولية منها قناة تي آر تي العالمية وأفريقيا 24 أن الاتفاق يُنشئ لجنة عليا للإشراف على التحضيرات خلال 24 شهراً المقبلة.

يأتي هذا الاختراق في وقت لا يزال فيه ملايين الليبيين يعانون من تداعيات الدولة المُفتتة، حيث تتنافس حكومات متصارعة وبنوك مركزية متعددة وميليشيات مسلحة تسيطر على مناطق مختلفة من البلاد. وللمرة الأولى منذ انتفاضة 2011 التي أطاحت بمعمر القذافي، التزمت جميع الفصائل الرئيسية — على الورق — بجدول انتخابي موحّد.

أبرز بنود الاتفاق

  • انتخابات متزامنة — ستُجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في اليوم ذاته، وهو مطلب جوهري لمنع مزيد من تفتت السلطة.
  • موعد نهائي في 17 فبراير 2027 — تم الاتفاق على هذا التاريخ كحد أقصى، مع إمكانية إجراء التصويت في وقت أبكر إذا سمحت التحضيرات بذلك.
  • لجنة عليا للإشراف — هيئة مخصصة تضم ممثلين عن المؤسسات السياسية الثلاث ستتولى إدارة العملية الانتخابية وحل النزاعات.
  • نافذة تحضيرية مدتها 24 شهراً — يمنح الجدول الزمني نحو عامين لتسجيل الناخبين وفرز المرشحين وترتيبات الأمن عبر التراب الليبي الشاسع.
  • دعم دولي واسع — رحّبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالاتفاق، حيث أدّت شخصيات مثل كارمين ميل وإنعام ثاج الدين أدوار وساطة في المفاوضات الأخيرة.

أرقام وحقائق حول الاتفاق

يُقدّر عدد سكان ليبيا بنحو 7 ملايين نسمة موزعين على مساحة تتجاوز 1.7 مليون كيلومتر مربع. وقد شهدت البلاد منذ 2011 أكثر من 3 حكومات متتالية لم تكمل مدتها الدستورية، فضلاً عن وجود بنكين مركزين متنافسين في الشرق والغرب. ويُسيطر على الأراضي الليبية أكثر من 40 مجموعة مسلحة وفقاً لتقديرير الأمم المتحدة، مما يجعل أي استحقاق انتخابي رهيناً بترتيبات أمنية معقدة.

وقد سبق أن اتفق الليبيون على إجراء انتخابات في الرابع والعشرين من ديسمبر 2021، لكن الاتفاق انهار بسبب خلافات حول أهلية المرشحين والإطار القانوني للتصويت. ويأمل المراقبون ألا يتكرر السيناريو ذاته هذه المرة.

أصوات من الداخل

قال ناشط ليبي في المجتمع المدني من طرابلس، طالباً عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية: "الناس تعبت من الانتظار. كل عام يعدوننا بالانتخابات، وكل عام ينهار شيء ما. لكن هذه المرة الضغط من داخل ليبيا وخارجها مختلف. الفصائل تعرف أنها لا تستمر على هذا النحو."

وأضاف: "ما نحتاجه ليس فقط توقيع اتفاقيات، بل إرادة حقيقية لتنفيذها على الأرض. الليبيون يستحقون حكومة واحدة وبنكاً مركزياً واحداً وخدمات أساسية تعمل."

لماذا يهم هذا الاتفاق الليبيين؟

بالنسبة للمواطن العادي في بنغازي أو مصراتة أو سبها، فإن الانتخابات ليست مجرد عملية سياسية مجردة، بل هي بوابة لتحسين الحياة اليومية. فالانقطاع المتكرر للكهرباء، وشح المياه، وانهيار المنظومة الصحية كلها أزمات تفاقمت بسبب غياب سلطة موحّدة قادرة على اتخاذ قرارات وتنفيذها. كما أن توحيد المؤسسات المالية يُعدّ شرطاً أساسياً لإنعاش الاقتصاد الوطني وتحسين سعر صرف الدينار الليبي.

ويرى محللون أن استقرار ليبيا ينعكس مباشرة على المنطقة بأكملها، إذ تُعدّ البلاد معبراً رئيسياً للهجرة غير النظامية نحو أوروبا عبر البحر المتوسط، كما تمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا بأكثر من 48 مليار برميل.

التحديات التي تنتظر الطريق

رغم التفاؤل الذي رافق الإعلان، فإن الطريق نحو فبراير 2027 محفوف بالمخاطر. فلا تزال الميليشيات تسيطر على مناطق واسعة في طرابليز وفزان وأجزاء من برقة، ولم يُختبر بعد ما إذا كان المشير خليفة حفتر سيقبل بنتائج صندوق الاقتراع إذا جاءت ضد مصالحه. كما أن غياب قانون انتخابي موحّد ومفوضية انتخابية مستقلة يُشكّلان عقبات جوهرية تحتاج إلى حلول عملية خلال الأشهر المقبلة.

غير أن حقيقة توقيع المؤسسات السياسية الثلاث — مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي — على وثيقة واحدة تُرسل إشارة بأن حتى أكثر الخصوما تشبّعاً بمصالحها تُدرك أن استمرار الوضع الراهن لم يعد ممكناً.

الخطوات القادمة

خلال الأسابيع المقبلة، من المتوقع أن تبدأ اللجنة العليا في صياغة الإطار القانوني والدستوري الذي سيُنظّم الانتخابات. وقد تعهّد الشركاء الدوليون بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بتقديم الدعم التقني واللوجستي. وستكون الأشهر الـ24 القادمة الاختبار الحقيقي لقدرة القادة الليبيين على تحويل اتفاق موقّع إلى مؤسسات فاعلة — وعلى منح المواطنين الذين أثقلهم الانتظار أخيراً فرصة قول كلمتهم.

لعرفة عرفت إلا الصراع والانقسام منذ 2011، فإن الطريق نحو فبراير 2027 طويل. لكن لأول مرة منذ سنوات، ثمة طريق.

— ليبيا برس / مكتب السياسة