بالأسماء.. التعرف على هوية 14 شخصاً من ضحايا «دانيال» في درنة بينهم سوري

تحاليل DNA المتقدمة تمنح عائلات ضحايا العاصفة دانيال إجابات قاطعة بعد التعرف على 14 جثماناً جديداً

في تطور إنساني مؤثر ضمن جهود التعافي في مدينة درنة، أعلنت السلطات الليبية رسمياً عن تحديد هوية 14 ضحية إضافية من ضحايا العاصفة "دانيال" الكارثية. وقد شملت هذه القائمة مواطناً سورياً، مما يسلط الضوء على البعد الدولي لهذه المأساة التي ضربت شرق البلاد في سبتمبر 2023، ويؤكد أن آلام الفقد لم تفرق بين جنسية وأخرى.

وتأتي هذه العملية، التي تضعها الدولة على رأس أولوياتها منذ وقوع الكارثة، نتيجة التكامل بين أحدث تقنيات البصمة الوراثية وعلم آثار الطب الشرعي. وتهدف هذه الجهود الشاقة إلى إنهاء معاناة آلاف العائلات المكلومة التي قضت شهوراً، بل وسنوات في بعض الحالات، وهي تنتظر خبراً يقيناً عن مصير أحبائها المفقودين.

الدور المحوري للطب الشرعي في كشف الهويات

أوضحت التقارير الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للطب الشرعي والجهات الصحية المحلية أن تحليل الحمض النووي (DNA) كان الأداة الوحيدة الموثوقة لتحديد هويات الضحايا الذين انتشلوا من بين الركام وفي مجاري السيول بمدينة درنة. فبسبب القوة التدميرية الهائلة للفيضانات وحجم الرواسب، أصبح التعرف البصري التقليدي أمراً مستحيلاً في معظم الحالات.

وتعتمد هذه العملية على سلسلة دقيقة من الإجراءات، حيث تتم مطابقة العينات البيولوجية المستخرجة من الميدان مع قاعدة بيانات شاملة تضم عينات من أقارب المفقودين. وتضمن هذه الدقة العلمية عودة كل فرد إلى أسرته بيقين تام، مما يمنع وقوع أخطاء قد تزيد من معاناة الناجين وتسبب لهم صدمات عاطفية جديدة.

الأثر النفسي والاجتماعي على أهالي درنة

بالنسبة للناجين وسكان درنة، تمثل هذه النتائج لحظات "حلوة ومرة" في آن واحد. فبينما يكون تأكيد الوفاة خبراً صادماً، إلا أنه يفتح الباب لبدء عملية الحداد النفسي. وفي الثقافة الليبية، يمثل القيام بمراسم الدفن والصلاة على الميت ضرورة روحية وعاطفية أساسية لتحقيق السكينة والقبول.

  • تحديد هوية المواطن السوري يبرز التنوع السكاني والعمالي الذي كان جزءاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة قبل الكارثة.
  • أصبح بإمكان العائلات الآن الانتقال من حالة "الانتظار المؤلم" للمفقودين إلى حالة "اليقين"، مما يسهل تسوية التركات قانونياً وتكريم الموتى.
  • يشير استمرار العثور على رفات بشرية إلى أن الحصيلة النهائية للخسائر قد تستغرق سنوات لتوثيقها بدقة، مع استمرار تحرك التربة والرواسب.

إرث الدمار: كيف غيرت العاصفة دانيال وجه المدينة

تظل العاصفة دانيال واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية فتكاً في تاريخ ليبيا المعاصر. ولم تكن المأساة نتيجة الأمطار الغزيرة فحسب، بل بسبب الانهيار الكارثي للسدود التي أرسلت موجة عارمة من المياه اجتاحت قلب مدينة درنة، ومسحت أحياءً بأكملها من الخريطة في دقائق معدودة، تاركة جرحاً غائراً في الوجدان الوطني.

ورغم الدور الحيوي الذي لعبته المساعدات الدولية والمتطوعون المحليون في مرحلة الإنقاذ الأولي، إلا أن مرحلة التعافي طويل الأمد، وخاصة ملف المفقودين، تظل عملية مضنية تتطلب تمويلاً مستداماً وتعاوناً دولياً للحفاظ على كفاءة مختبرات الطب الشرعي القادرة على التعامل مع هذا الكم الهائل من الحالات.

الالتزام الأخلاقي بالتعافي الكامل

تواصل السلطات الليبية تمشيط المناطق المتضررة وتحليل كل عينة بيولوجية متبقية، إيماناً بأن تحديد هوية كل ضحية ليس مجرد مهمة تقنية، بل هو واجب أخلاقي ووطني. إن تكريم الموتى ومساندة الناجين في رحلة شفائهم النفسي هو السبيل الوحيد لتعيد مدينة درنة بناء نفسها من جديد.

وتشدد الحكومة الليبية على أن هذه المأساة يجب أن تكون دافعاً للتغيير الجذري. هناك حاجة ملحة لتحديث أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير التخطيط الحضري، وتعزيز متانة البنية التحتية لمنع تكرار مثل هذه الفواجع. إن ذكرى الضحايا هي المحرك الأساسي لهذه الإصلاحات الضرورية لضمان سلامة الأجيال القادمة.

— ليبيا برس / مكتب الأخبار