ماكينة التغليف بالتفريغ
وفر 4%! اشترِ ماكينة التغليف بالتفريغ بسعر 306.63 د.ل فقط في ليبيا. متوفر حالياً
🛒 تسوق الآن
Libya Press
في الأسابيع الأخيرة، تعرّض مصرف ليبيا المركزي لموجة انتقادات واسعة بسبب التأخير في نشر بياناته المالية الدورية. للمواطنين والمهتمين بالشأن الاقتصادي كل الحق في المطالبة بالشفافية. لكن المحلل الاقتصادي "الفارسي" يرى أن سهم اللوم يُوجَّه إلى جهة خاطئة — إلى مؤسسة تجاوزت صلاحياتها القانونية طوعاً لسدّ فراغ تركه غيرها.
لسنوات طويلة، عانى المشهد الاقتصادي الليبي من غياب شبه تام للبيانات الصادرة عن وزارة المالية — الجهة السيادية المكلَّفة قانوناً بإعداد ونشر التقارير الدورية عن الإيرادات العامة والمصروفات والعجز والفائض المالي. هذا العجز الهيكلي ترك فراغاً معلوماتياً خطيراً، أعاق الرقابة المحلية وأضعف المصداقية الدولية.
وفي غياب هذه البيانات، تطوّع المصرف المركزي طوال السنوات الماضية بنشر بيانات تفصيلية تشمل إيرادات الدولة وإنفاقها العام. ورغم أن هذه المبادرة انطلقت من حرص حقيقي على إتاحة المعلومات، إلا أنها أنتجت مع الوقت نتيجة عكسية خطيرة: تحوّل المصرف إلى الهدف المباشر لكل نقد حين تتأخر البيانات المالية أو تكون غير مكتملة.
لم تقتصر التداعيات على لوم المصرف المركزي بسبب تأخر البيانات، بل تعدّتها إلى محاسبته على أداء السياسة المالية للدولة بأكملها. فقد بات المركزي يُسأل عن أوجه الإنفاق الحكومي، وتضخّم بند المرتبات، وكفاءة الإنفاق الاستثماري — وكلها ملفات تقع حصرياً تحت سلطة وزارة المالية وتنفيذها.
بموجب قانون المصارف الليبي، ينحصر نطاق ولاية المصرف المركزي في إدارة السياسة النقدية. وتشمل بياناته الحصرية: المؤشرات النقدية والمصرفية مثل عرض النقود بشقيه الضيق والواسع وحجم الائتمان المصرفي والسيولة، والقطاع الخارجي مثل ميزان المدفوعات وإدارة الاحتياطيات وتحديد أسعار الصرف، والاستقرار المالي من خلال تقارير السلامة المصرفية وتحليل التضخم.
الفارق الجوهري هنا أن المصرف المركزي يرصد حركة التدفقات النقدية عبر حسابات الدولة، لكنه لا يملك الولاية القانونية على تخطيط هذه الأموال وتوجيهها. ينشر إيرادات الدولة ونفقاتها كما ترد إليه، لكن وزارة المالية وحدها هي المسؤولة عن تبويب المصروفات وتوجيهها وفقاً لقانون الميزانية. هذا التمييز هو الأساس القانوني الذي تقوم عليه المساءلة المالية.
ولأن هذا التمييز أصبح غير واضح في أذهان الكثيرين، تمكن الأوصياء الحقيقيون على السياسة المالية من العمل بعيداً عن الرقابة، بينما يتحمل المصرف المركزي وحده وطأة الإحباط العام.
لا يمكن مناقشة أزمة الإفصاح المالي في ليبيا دون التطرق إلى الملف الأكثر حساسية، وهو إيرادات النفط وتدفقاتها النقدية. في فترات سابقة، لم يتم تحويل أجزاء كبيرة من عائدات النفط إلى الحساب السيادي لللدى لدى المصرف المركزي، بل احتُجزت في حسابات خارجية كإجراءات استثنائية مؤقتة. وقد حجب هذا مساراً رئيسياً من التدفقات النقدية وخلق فجوة في التحقق من النفقات.
كما حصلت المؤسسة الوطنية للنفط على ميزانيات استثنائية بمليارات الدنانير تحت بند رفع معدلات الإنتاج. ورغم ضخامة هذه الأموال التي اقتُطعت من المال العام، أحجمت المؤسسة عن تقديم إفصاحات شفافة للرأي العام والجهات الرقابية، مما زاد من غموض الصورة المالية للبلاد.
ما يواجهه المصرف المركزي اليوم ليس مجرد أزمة بيانات، بل انعكاس لأزمة أعمق في حوكمة المؤسسات الليبية. لقد دفع المركزي ضريبة تطوّعه لسدّ الفراغ الإفصاحي لسنوات، وتحوّل من مبادر بالشفافية إلى متهم بالتقصير، بينما فضّلت مؤسسات أخرى — وزارة المالية والمؤسسة الوطنية للنفط — العمل في الظل بعيداً عن أعين الرقابة.
تصحيح هذا المسار لا يكمن في الضغط على المصرف المركزي لنشر ما ليس من اختصاصه، بل في رفع الوعي القانوني بالصلاحيات المؤسسية، ودفع المقصّرين الحقيقيين للعودة إلى منصة المسؤولية ونشر بياناتهم. عندها فقط تستقيم أدوات المحاسبة والتقييم الاقتصادي في البلاد.
— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد