أنقرة وحدها استجابت لمناشدات طرابلس.. باشاغا يكشف كواليس الاتفاق الأمني مع تركيا

تصريحات حصرية تكشف أن تركيا كانت القوة الدولية الوحيدة التي استجابت لنداءات ليبيا الأمنية العاجلة

كشف وزير الداخلية الليبي الأسبق فتحي باشاغا عن تفاصيل جديدة حول الاتفاق الأمني بين ليبيا وتركيا، مؤكداً أن أنقرة كانت العاصمة الوحيدة التي استجابت لنداءات طرابلس المتكررة للحصول على الدعم الأمني. وفي مقابلة خاصة مع التلفزيون العربي، أزال باشاغا الستار عن أشهر من التحركات الدبلوماسية خلف الكواليس، التي أفضت إلى توقيع الاتفاق الأمني الاستراتيجي بين البلدين.

تأتي هذه التصريحات في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني من الانقسام الأمني وترسّخ نفوذ الجماعات المسلحة في عدة مدن. وتقدم رواية باشاغا صورة واضحة عن اللامبالاة الدولية من العواصم الأوروبية، عندما طلبت طرابلس المساعدة بشكل عاجل لتحقيق الاستقرار في البلاد.

استجابة تركيا السريعة للأزمة الأمنية

وبحسب باشاغا، تواصلت الحكومة الليبية مع شركاء دوليين للتعاون الأمني في مواجهة التحديات المتزايدة من الميليشيات المسلحة. وقال باشاغا في المقابلة التي نُشرت في 30 يونيو 2026: "تواصلنا مع عدة دول أوروبية وأطراف دولية. كانت تركيا الوحيدة التي استجابت بشكل إيجابي ودون شروط".

تغطي الاتفاقية، التي أُبرمت في النصف الأول من 2026، مجالات أمنية تشمل مكافحة الإرهاب وأمن الحدود وتدريب القوات الليبية. وقد عزز استعداد تركيا للانخراط موقف أنقرة كشريك أمني رئيسي لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس.

الجماعات المسلحة وشبكات النفوذ

سلطت المقابلة الضوء على تطور خطير في المشهد الليبي بعد 2011: تحول الجماعات المسلحة إلى شبكات نفوذ راسخة. وأوضح باشاغا أن "ظاهرة الميليشيات لم تبقَ محصورة في العمل العسكري، بل تطورت إلى شبكات اقتصادية وسياسية تسيطر على الحدود ومؤسسات الدولة ومصادر الإيرادات".

وحذر من أن هذه الشبكات أصبحت منغرسة في النسيج الاقتصادي الليبي، لدرجة أن تفكيكها يتطلب استراتيجية شاملة وليس مجرد عملية أمنية. وأكد أن الحلول العسكرية وحدها غير كافية دون معالجة الحوافز الاقتصادية التي تغذي استمرار هذه الجماعات.

التردد الأوروبي والتداعيات الجيوسياسية

تسلط التصريحات الضوء على فجوة واضحة في السياسة الأوروبية تجاه ليبيا. فرغم التزام الاتحاد الأوروبي المعلن بالاستقرار في ليبيا واهتمامه بالحد من الهجرة غير الشرعية، أظهرت الدول الأعضاء تردداً واضحاً في المشاركة الأمنية المباشرة. وبملء الفراغ الذي خلفه التردد الأوروبي، عمقت تركيا نفوذها في غرب ليبيا وثبّتت موطئ قدم اقتصادي وعسكري يتماشى مع مصالحها في شمال إفريقيا وشرق المتوسط.

المعضلة الأمنية: السيادة والضرورة

تثير التصريحات أسئلة مهمة حول قدرة ليبيا على ممارسة سيطرتها السيادية على مشهدها الأمني. فمع الخيارات المحدودة والبيئة المتدهورة، وجدت حكومة الوحدة الوطنية نفسها مضطرة لشراكات قد تحمل تبعات استراتيجية. وأشار باشاغا إلى التوازن الدقيق بين تأمين الدعم الدولي والحفاظ على استقلالية القرار الليبي، مشدداً على أن غياب شركاء بديلين ضيّق هامش المناورة أمام طرابلس.

ماذا تغطي الاتفاقية؟

  • عمليات مشتركة لمكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخبارية
  • تدريب وتجهيز قوات الشرطة ووزارة الداخلية الليبية
  • التعاون في إدارة أمن الحدود، خاصة الحدود الجنوبية
  • المساعدة الفنية لإصلاح قطاع الأمن وبناء القدرات المؤسسية
  • آليات تنسيق الأمن البحري في البحر المتوسط

ردود الفعل والآفاق المستقبلية

أثارت الكشفيات جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الليبية. يرى مؤيدون أن مشاركة تركيا أسفرت عن تحسينات أمنية ملموسة في العاصمة طرابلس، بينما يحذر منتقدون من أن الاعتماد على شريك دولي واحد قد يهدد الاستقلال الاستراتيجي لليبيا على المدى البعيد.

بالنسبة لليبيين العاديين، يبقى الأمل في ترجمة الاتفاق إلى تحسن فعلي على الأرض: نقاط تفتيش أقل تديرها الجماعات المسلحة، وعمليات اختطاف أقل، ونظام قضائي قادر على محاسبة الميليشيات. تذكّرنا تصريحات باشاغا بأن استقرار ليبيا لا يتحقق بالتعاون الأمني وحده، بل يحتاج شركاء دوليين يضاهون استعداد تركيا للانخراط الفاعل، إن أرادت البلاد التحرر من دائرة انعدام الأمن التي طبع عقداً ونصفاً من مرحلة ما بعد الثورة.

— ليبيا برس / مكتب السياسة