من الحلوى المصرية إلى الهريسة اللبنانية.. كل دولة تُعد مائدة فريدة في عاشوراء

في العاشر من شهر محرم كل عام، تتوجه ملايين الأسر في أنحاء العالم العربي إلى مطابخها لإعداد أطباق خاصة إحياءً لذكرى يوم عاشوراء. هذه العريقة التي تمتد لقرون تحول المطابخ إلى فضاءات للتجمع، حيث تنتقل الوصفات من الجدات إلى الحفيدات، حافظةً الهوية الثقافية في كل وجبة.

يُقدَّر أن نحو مائتي مليون شخص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحيون ذكرى عاشوراء بتقاليد غذائية مميزة تعكس المكونات المحلية والمناخ والتاريخ. تتراوح هذه الأطباق بين الحلويات والوجبات الرئيسية، وكل منها يحمل دلالات ثقافية عميقة تتجاوز مجرد التغذية.

تقليد ضارب في التاريخ ومتجذر في الإيمان

يعود تقليد إعداد أطباق عاشوراء إلى قرون طويلة في مختلف أنحاء العالم العربي. فبعد صيام اليوم الاختياري، تجتمع الأسر حول الطعام كتعبير عن الامتنان وتعزيز الروابط المجتمعية. وفي كثير من البيوت، يبدأ الإعداد مساء اليوم السابق، حيث تعمل أجيال متعددة جنباً إلى جنب في المطبخ.

يرى المؤرخون الثقافيون أن عادة الطهي الخاص بعاشوراء تطورت على الأرجح من التقليد الإسلامي الأوسع القائم على مشاركة الطعام خلال المناسبات الدينية. وبمرور الزمن، طوّر كل إقليمه طبقه المميز الخاص، مستخدماً المكونات المتاحة محلياً والتقنيات المتوارثة شفهياً عبر الأجيال بدلاً من الوصفات المكتوبة.

أبرز الأطباق في أنحاء العالم العربي

  • مصر — عاشوراء باللبن: حلوى قمحية كريمية تُحضر من الحليب والسكر والنشا، وتُزين بالمكسرات والقرفة. وتُقدَّر صناعة الأغذية المحلية أن الأسر المصرية تُعد نحو خمسمائة ألف وجبة خلال موسم عاشوراء.
  • بلاد الشام — الهريسة: طبق دشيش من البرغل المطحون يُطهى ببطء مع لحم الضأن أو الدجاج، وهو شائع في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن. وتُعد الأسر قدوراً كبيرة لتقاسمها مع الجيران.
  • المغرب — الفطائر الخاصة والفواكه المجففة: تزين الموائد المغربية مجموعة من الحلويات منها السللو المصنوع من السمسم واللوز والعسل، إلى جانب الفواكه المجففة والمكسرات، مما يعكس التراث الزراعي الغني للبلاد.
  • العراق — الكليجة: كعكة العراق الوطنية المحشوة بمعجون التمر تصدر المشهد في عاشوراء. وتُفيد المخابز في بغداد بارتفاع إنتاج الكليجة بنسبة ستين بالمائة خلال فترة محرم.
  • دول الخليج — الهريسة والمشبع: تُعد الأسر السعودية والإماراتية الهريسة إلى جانب أطباق الأرز، وتوزع الوجبات غالباً على العمال وأفراد المجتمع الأقل حظاً.
  • ليبيا — الحلويات والأصناف العائلية: تُعد الأسر الليبية الحلويات والفطائر التقليدية، وتتبادل الأطباق كهدايا لتعزيز الروابط المجتمعية خلال إحياء المناسبة.

الجانب الإنساني لطهي عاشوراء

بالنسبة لكثير من النساء في أنحاء العالم العربي، يمثل إعداد أطباق عاشوراء ما هو أبعد من مجرد الطبخ. إنه فعل حفاظ على التراث وربط عائلي.

فاطمة المصري، جدة من القاهرة تبلغ من العمر اثنتين وستين عاماً، تُعد حلوى عاشوراء الخاصة بعائلتها منذ أكثر من أربعين عاماً. تقول: "علمتني أمي، وعلمتها أمها. حين أقف فوق القدر وأحرك الحلوى، أشعر بالصلة مع كل امرأة في عائلتي سبقتني. الوصفة واحدة، لكن كل جيل يضيف لمسته الخاصة".

هذا الشعور يتردد صداه عبر المنطقة. ففي طرابلس بليبيا، تحافظ الأسر على تقاليد مماثلة، حيث تُعلم الجدات الأجيال الشابة التقنيات الدقيقة التي تجعل كل طبق فريداً بطابع عائلتها.

أهمية أطباق عاشوراء للأسر الليبية

بالنسبة للقارئ الليبي، يمثل تقليد طعام عاشوراء صلة حيوية بالتراث الثقافي العربي والإسلامي الأوسع. فالمطبخ الليبي يتشارك جذوراً عديدة مع تقاليد الطهي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط المجاورين، مما يجعل هذه الأطباق مألوفة ومميزة في آن واحد.

تُعد الأسر الليبية غالباً حلويات وفطائر خاصة خلال عاشوراء، دمجاً مكونات محلية كالتمر والعسل واللوز الوارفة في المنطقة. ويعزز تقليد تبادل الأطباق بين الجيران النسيج الاجتماعي الذي حافظت عليه المجتمعات الليبية لأجيال، حتى في فترات التحديات السياسية والاقتصادية.

يُشير خبراء الاقتصاد الغذائي إلى أن تقاليد الطهي الموسمية كإعدادات عاشوراء تسهم بشكل ملحوظ في دعم الاقتصادات المحلية، حيث يوفر الطلب المتزايد على المكونات والتوابل وأدوات المطبخ دفعة للشركات الصغيرة والأسواق في أنحاء ليبيا خلال فترة محرم.

الحفاظ على التراث في العصر الحديث

رغم ضغوط الحياة المعاصرة وتوفر الخيارات الغذائية التجارية، تواصل الأسر في أنحاء العالم العربي إعطاء الأولوية لأطباق عاشوراء المنزلية. وقد عززت وسائل التواصل الاجتماعي هذا التقليد فعلياً، حيث يشارك الجيل الأحدث عمليات الطبخ والوصفات العائلية عبر الإنترنت، مُنشيءً أرشيفات رقمية للتراث الغذائي.

مع اقتراب عاشوراء المقبل، ستمتلئ ملايين المطابخ بروائح القمح والحليب والتمر والتوابل — وكل رائحة تروي قصة انتماء وإيمان وهوية لا يمكن لأي حلوى تجارية أن تحاكيها.

-- ليبيا برس / مكتب المرأة