محللون يصفون الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه ليبيا بأنها "زوا قسري" بين قوى متناحرة تطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الاستقرار في شمال أفريقيا

المبادرة الدبلوماسية الأحدث التي تطرحها واشنطن لحل الأزمة الليبية المتواصلة منذ أعوام تثير مقارنات حادة بـ"الزواج القسري" بين مركزي النفوذ المتنازعين في شرق ليبيا وغربها. وبحسب مصادر دبلوماية نقلت عنها رويترز وبي بي سي للرصد، فإن الإطار المقترح الذي صاغه مستشارون مقربون من الرؤية السياسية الخارجية للرئيس السابق دونالد ترمب يسعى إلى رعاية ترتيب لتقاسم السلطة بين الحكومة المقيمة في طرابلس في الغرب والبرلمان المدعوم من المشير خليفة حفتر في الشرق.

الخطة تتضمن تشكيل مجلس رئاسي موحد بتمثيل متوازن بين الإقليمين، مع الإبقاء على قيادات عسكرية منفصلة خلال فترة انتقالية أولية مدتها ثمانية عشر شهراً. كما تدعو إلى إنشاء آلية إشراف مشتركة على إدارة صادرات ليبيا النفطية التي بلغ متوسطها 1.2 مليون برميل يومياً خلال الربع الأول من عام 2024 وفقاً لبيانات منظمة أوبك.

العناصر الرئيسية في الإطار المقترح

يتضمن المخطط الدبلوماسي عدة أحكام جوهرية من شأنها إعادة تشكيل المشهد السياي الليبي جذرياً، وفي ما يلي أبرز هذه العناصر:

  • مجلس رئاسي مؤلف من تسعة أعضاء بثلاثة ممثلين عن كل إقليم من الأقاليم التاريخية الثلاثة: طرابلس وبرقة وفزان
  • وزارة موحدة تضم أربعة وعشرين وزيراً تُقسم بالتساوي بين مرشحي الشرق والغرب
  • لجنة دمج عسكرية مشتركة بجدول زمني مدته ثلاث سنوات ونصف لدمج الفصائل المسلحة تحت مظلة وزارة دفاع واحدة
  • وجود دولي للمراقبة يُنسّق عبر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مع مراقبين إضافيين من الاتحاد الأفريقي
  • استفتاء دستوري يُجرى خلال أربع وعشرين شهراً من توقيع الاتفاق
  • ضمانات لمشاركة المرأة السياسية بنسبة لا تقل عن ثلاثين بالمائة في جميع الهيئات الحاكمة

المواقف الإقليمية والدولية

تركيا التي تحافظ على وجود عسكري وسياسي بارز في غرب ليبيا منذ عام 2020 أبدت دعماً حذراً للإطار المقترح. وأصدرت وزارة الخارجية التركية بياناً أكدت فيه ضرورة "قيادة ليبية ملكية" لأي تسوية سياسية. في المقابل، تُفيد التقارير بأن مصر والإمارات الداعمَين الرئيسيين لمعسكر حفتر الشرقي تضغطان من أجل ضمانات أقوى بشأن هياكل القيادة العسكرية في إقليم برقة.

أما موقف روسيا فيبقى معقداً؛ فبينما حافظت موسكو تاريخياً على علاقات مع كلا الطرفين الليبيين، فإن مصلحتها الاتراتيجية الأساسية تكمن في الحفاظ على وصولها إلى القواعد العسكرية في شمال أفريقيا. ونقل مصدر دبلوماي أوروبي — تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته — قوله إن "موسكو تنظر إلى أي حكومة ليبية موحدة باعتبارها أقل قابلية للاتفاقات العسكرية الثنائية مقارنة بالوضع المجزأ الحالي".

الثمن البشري للانقسام

أحدث التشتت الذي تعانيه ليبيا منذ عقد كامل خسائر إنسانية فادحة. ويشير تقرير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من خمسمائة وثمانين ألف ليبي لا يزالون نازحين داخلياً، بينما وثقت منظمة الصحة العالمية ثلاث وعشرين هجوماً رئيسياً على مرافق الرعاية الصحية منذ عام 2020. كما يقدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن 1.3 مليون شخص — أي ما يقارب ثمانية عشر بالمائة من إجمالي السكان — يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية خلال عام 2024.

الدكتورة أمينة المغربية الطبيبة في طرابلس وعضو الجمعية الطبية الليبية تصف الواقع اليومي قائلة: "لدينا وزارتان للصحة ومصرفان مركزيان وكل شيء مزدوج فيما عدا المعاناة. مرضى في الغرب لا يستطيعون الوصول إلى مراكز العلاج المتخصصة في بنغازي، والأسر في الشرق تواه الحاجز نفسه. اتعارة الزواج القسري دقيقة — إلا أنه في الزواج القسري على الأقل يعرف الطرفان أنهما محبوسان معاً".

أهمية اللحظة الراهنة لمستقبل ليبيا

يواه إطار "الزوا القسري" عقبات جوهرية هي التي أفشلت مبادرات السلام السابقة. فاتفاق الصخيرات لعام 2015 الذي رعته الأمم المتحدة وعد بتقاسم السلطة ثم انهار في غضون أشهر بسبب التفسيرات المتعارضة وغياب آليات الإنفاذ. والثروة النفطية الليبية التي تُدار رسمياً عبر مؤسسة وطنية موحدة للنفط كانت عاملاً موحداً تاريخياً، لكن الخلافات الأخيرة حول توزيع العائدات بين الشرق والغرب صعدت من حدة التوترات.

يُصر معسكر المشير حفتر على الاحتفاظ بالسيطرة على المحطات النفطية الشرقية — التي تمثل نحو ستين بالمائة من طاقة التصدير الليبية — كشرط مسبق لأي اتفاق. في حين رفضت حكومة طرابلس بقيادة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيب التنازل عن السيادة على موارد الطاقة لصالح قادة عسكريين إقليميين.

ما الذي يحمله المستقبل

يُبدي الدبلومايون المشاركون في المفاوضات تفاؤلاً محسوباً تجاه المسار الحالي. ومن المتوقع أن تُعقد جولة ثانية من المحادثات خلال أسابيع قليلة في عاصمة أفريقية شمالية لم يُعلن عنها رسمياً. ووصف المبعوث الخاص للاتحاد الأفريقي إلى ليبيا النافذة الحالية بأنها "الفرصة الأكثر وادة منذ ثلاث سنوات" للتوصل إلى تسوية شاملة.

بالنسبة للمواطنين الليبيين العاديين، فإن الرهانات لا يمكن أن تكون أعلى من ذلك. حكومة موحدة قادرة على العمل قد تُطلق مليارات الاستثمارات المجمدة لإعادة الإعمار وتستعيد العلاقات الدبلوماسية التي تآكلت تحت وطأة العزلة الممتدة، وتبدأ المسار الطويل لشفاء أمة مزقتها الجغرافيا والأيديولوجيا والأطماع المتنافسة للقوى الأجنبية. فهل سينتج عن هذا الزواج القسري شراكة حقيقية أم أنه سيُشرعن الانقسام فحسب؟ ذلك هو السؤال الحام في الفصل المقبل من تاريخ ليبيا.

— ليبيا برس / مكتب السياسة