أزمة ليبيا اليوم: هل تتحول مبادرات تقاسم السلطة إلى عائق أمام الوحدة الوطنية؟

شهدت الأيام العشرة الماضية ظهور ما لا يقل عن خمس مبادرات سياسية كبرى تستهدف إنهاء الأزمة الليبية المستمرة منذ أعوام، فيما يصفه المراقبون بازدحام دبلوماسي غير مسبوق بالمقترحات التي يعد كل منها بوسيلة للخروج من الجمود السياسي. لكن هذا التزاحم يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان تعدد الخطط يخدم الوحدة الليبية أم يطيل من أمد التشرذم المؤسسي في البلاد.

أحدث المبادرات: تقاسم السلطة عبر رؤية أمريكية جديدة

يبرز حالياً مقترح قدمه ستيف باتال، المبعوث الأمريكي الخاص لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي يطرح إطاراً يربط التسوية السياسية في ليبيا بترتيبات دقيقة لتقاسم السلطة بين المؤسسات المتنافسة. ووفقاً لتصريحات نقلتها وسائل إعلام دولية، تهدف مبادرة باتال إلى "توحيد مؤسسات الدولة" عبر صيغة توزيع للسلطة بين الحكومة القائمة في طرابلس والإدارة المدعومة من الشرق.

ويربط المقترح الأمريكي أي حل سياسي مستدام بالقطاعين الاقتصادي والنفطي في ليبيا، وهو تفصيل أثار حالة من الجدل في الأوساط السياسية الليبية؛ حيث ينظر إليه البعض كحافز عملي لضمان الاستقرار، بينما يراه آخرون فرضاً خارجياً على القرار السيادي الوطني.

حقائق رئيسية: تفاصيل المشهد الدبلوماسي المزدحم

  • تتنافس خمس مبادرات أو أكثر دولية وإقليمية حالياً لاكتساب الزخم في المسار السياسي الليبي.
  • قدم المبعوث الأمريكي ستيف باتال إطاراً لتقاسم السلطة يربط مباشرة بين التوافق السياسي والترتيبات النفطية.
  • تواصل الأمم المتحدة (UN) دفع مسارها الموازي عبر مشاركة دبلوماسية مستمرة، رغم أن التفاصيل الدقيقة لا تزال طي الكتمان.
  • يرى عدد من السياسيين الليبيين أن معظم المبادرات الحالية تتجاوز مشروع الدستور لعام 2017، الذي يعتبرونه الأساس الأكثر شرعية.
  • صرح المحلل السياسي فرج حنيش علناً أن غالبية المبادرات المقترحة "تتجاهل المسار الأمثل"، وهو إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور المكتمل.
  • أدى التنافس بين المقترحات إلى خلق حالة من الارتباك داخل الطبقة السياسية، حيث تتبنى الفصائل مبادرات انتقائية بناءً على الولاءات المؤسسية لا المصلحة الوطنية.

تحذيرات الخبراء: عندما يصبح التعدد أداة لتعميق الأزمة

أعرب معلقون سياسيون ليبيون عن قلق متزايد من أن الحجم الكبير للمبادرات المتنافسة ينقلب من فرصة دبلوماسية إلى أداة لإطالة أمد الانقسام. وجادل فرج حنيش، المحلل السياسي الليبي البارز، في تصريحات حديثة بأن معظم المقترحات الحالية تتعمد تجاوز مشروع الدستور الذي أُقر في عام 2017، وهو الوثيقة التي وصفها بأنها الإجراء الوحيد الذي "يمكّن الليبيين من تقرير مستقبلهم" عبر استفتاء مباشر.

وقال حنيش في تصريحات علنية: "لا تعكس وفرة المبادرات بالضرورة إجماعاً دولياً على حل الأزمة، بل قد تعكس أجندات متنافسة تخدم مصالح خارجية لا المصلحة الوطنية الليبية". هذا التحليل يشير إلى أن تضارب الرؤى الدولية قد يؤدي إلى حالة من الشلل السياسي بدلاً من الدفع نحو الحل.

تداعيات الازدحام الدبلوماسي على المواطن الليبي

بالنسبة للمواطنين الليبيين الذين عانوا لأكثر من عقد من التشرذم المؤسسي، يطرح هذا الازدحام مفارقة حقيقية. فبينما قد يوحي حجم المشاركة الدولية بأن الحل أقرب من أي وقت مضى، فإن غياب إطار موحد يقوده الليبيون يثير مخاوف مشروعة من أن البلاد تُعامل كمسرح للتنافس الخارجي لا كدولة ذات سيادة.

ويظل مشروع الدستور لعام 2017، الذي أعدته هيئة صياغة الدستور المنتخبة، الأداة الأكثر شرعية محلياً. وأي مبادرة تتجاوز هذه الوثيقة دون موافقة شعبية تخاطر بإعادة إنتاج نقص الشرعية الذي غذى دورات الانقسام منذ عام 2014.

مستقبل المسار السياسي: بين التوافق والفرض

ستكشف الأيام المقبلة ما إذا كانت هذه المبادرات ستتقارب نحو إطار دولي ليبي موحد، أم أن تشرذم الجهود الدبلوماسية سيعكس تشرذم المؤسسات السياسية. ويبقى المتغير الحاسم هو مدى قدرة الفاعلين الليبيين على التكاتف حول أجندة وطنية مرتكزة على الاستفتاء الدستوري، بحيث تعلو هذه الأجندة فوق الجداول الزمنية المفروضة من الخارج.

بالنسبة لسبعة ملايين مواطن ليبي، لا يمكن أن تكون الرهانات أعلى من ذلك؛ فالمسار إما أن يؤدي إلى مؤسسات موحدة وحقيقية، أو يكون مجرد فصل جديد في أزمة طالت أكثر مما ينبغي.

-- ليبيا برس / مكتب السياسة