بنغازي تحتضن مؤتمراً طبياً تاريخياً لدفع مستقبل الرعاية الصحية في ليبيا

افتتاحية: أكثر من 60 طبيباً وباحثاً في حدث وطني غير مسبوق

تستعد مدينة بنغازي لاستضافة أكبر مؤتمر طبي في ليبيا منذ سنوات، بمشاركة أكثر من 60 طبيباً واستشاراً وباحثاً ومتخصصاً في العلوم الطبية الحيوية من مختلف أنحاء البلاد. ينطلق المؤتمر يوم الجمعة ويستمر حتى الثاني والعشرين من يونيو، ويُعدّ خطوة جوهرية نحو توحيد القطاع الصحي الليبي المُجزأ وسد الفجوات الحرجة في تشخيص وعلاج الأمراض النادرة.

يُمثّل هذا المؤتمر النسخة الثالثة من المؤتمر العلمي في مركز بنغازي الطبي، ويستند إلى جهود سابقة لرفع المعايير الطبية في شرق ليبيا. وأكد المنظمون أن الفعالية ستتضمن أكثر من 30 عرضاً بحثياً، وورش عمل تطبيقية، ونقاشات جماعية تغطي تخصصات الأورام وأمراض القلب والأعصاب والأمراض النادرة، وهي المجالات التي اعتاد المرضى الليبيون السفر للخارج من أجل العلاج فيها.

السياق: لماذا يهم هذا المؤتمر الآن؟

واجه النظام الصحي الليبي تحديات هائلة خلال العقد الماضي، حيث أدت أضرار البنية التحتية وهجرة الكفاءات والانقسام السياسي إلى تقييد حاد في الوصول إلى الرعاية المتخصصة. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يبلغ عدد الأطباء في ليبيا أقل من 1.2 طبيب لكل ألف نسمة، وهو ما يقل عن المتوسط العالمي البالغ 1.5 طبيب. ويُعاني مرضى الأمراض النادرة من نقص حاد في الخدمات، إذ لا يوجد سجل وطني وقدرات تشخيصية محدودة خارج طرابلس وبنغازي.

يأتي المؤتمر في ظل انتعاش جديد في التفاعل الدولي مع القطاع الصحي الليبي، حيث نظّمت غرفة التجارة الأمريكية في ليبيا حفل توقيع في بنغازي يركز على الشراكات الصحية، فيما استضافت السفارة الأمريكية في ليبيا طاولة مستديرة لقطاع الرعاية الصحية تهدف إلى تعزيز التعاون بين المهنيين الطبيين الليبيين والمؤسسات الدولية. وتُشير هذه الجهود إلى ثقة متنامية في قدرة ليبيا على إعادة بناء بنيتها التحتية الطبية.

حقائق أساسية في لمحة

  • يشارك في المؤتمر أكثر من 60 طبيباً ومتخصصاً من طرابلس ومصراتة وسبها وبنغازي، مما يجعله تجمعاً وطنياً حقيقياً
  • يُعدّ النسخة الثالثة من المؤتمر العلمي في مركز بنغازي الطبي، مما يرسّخ مكانته كمنصة وطنية دورية
  • يتضمن أكثر من 30 عرضاً بحثياً حول الأمراض النادرة والأورام وأمراض القلب والابتكار الطبي الحيوي
  • أول مسار مخصص للأمراض النادرة في مؤتمر طبي ليبي، يسد فجوة جوهرية في المنظومة الصحية
  • تعاون دولي مع مؤسسات تشمل غرفة التجارة الأمريكية في ليبيا ومشاركة شخصيات مثل ألكسندر ديولو، مما يعكس اهتماماً عالمياً متنامياً بالقطاع الطبي الليبي
  • يختتم المؤتمر أعماله في الثاني والعشرين من يونيو بعد ثلاثة أيام كاملة من التبادل المكثف للمعرفة والتواصل المهني

أصوات من المجتمع الطبي

أكد الدكتور ألكسندر ديولو، أحد أبرز المنظمين للجانب الطبي الحيوي في المؤتمر، على أهمية نقل المعايير الدولية إلى الممارسة الطبية الليبية. وقال ديولو خلال حفل الافتتاح في بنغازي: "هذا المؤتمر ليس مجرد مشاركة أبحاث، بل هو بناء شبكة من الأطباء الليبيين القادرين على التعاون عبر المناطق والتخصصات لتحسين نتائج العلاج المقدّم للمرضى."

من جهتهم، رحّب المنظمون المحليون من غرفة التجارة الأمريكية في ليبيا بهذا التوجه، مشيرين إلى أن الحدث يُمثّل نقطة تحول في التعليم الطبي بشرق ليبيا. وقال ممثل الغرفة: "لأول مرة، يتاح لأطبائنا الباحثين الشباب منصة وطنية يعرضون فيها أعمالهم ويتعلمون من أقرانهم ويتواصلون مع أفضل الممارسات الدولية دون مغادرة البلاد."

لماذا يهم كل مواطن ليبي؟

يحمل مؤتمر بنغازي الطبي أهمية تتجاوز أسوار المركز الطبي. فبالنسبة للمواطنين الليبيين العاديين، خاصة في المناطق الجنوبية والشرقية، لا يزال الوصول إلى الرعاية الصحية المتخصصة صراعاً يومياً. وتُنفق عائلات آلاف الدينارات للسفر إلى تونس أو مصر أو تركيا للحصول على تشخيصات وعلاجات ينبغي أن تكون متوفرة محلياً.

ويُعالج المؤتمر بشكل مباشر أحد الأسباب الجذرية للأزمة الصحية في ليبيا: عزل المهنيين الطبيين عبر المناطق المنقسمة. فعندما يستطيع الأطباء في سبها مشاركة أبحاثهم مع زملائهم في طرابلس، وعندما يتعاون متخصصو الأمراض النادرة في وضع بروتوكولات تشخيصية موحدة، فإن المنظومة بأكملها تقوى. وهذا بالضبط نوع الوحدة المهنية الشعبية التي تحتاجها ليبيا.

علاوة على ذلك، فإن التركيز على الأمراض النادرة يأتي في توقيت بالغ الأهمية، إذ يُقدّر أن ما بين 6 و8 بالمئة من السكان قد يتأثرون بأحد الأمراض النادرة السبعة آلاف المعروفة، فيما تفتقر البلاد إلى برنامج فحص وطني أو مراكز علاج متخصصة. ويسعى المسار الطبي الحيوي للمؤتمر إلى تغيير هذا الواقع من خلال تطوير إطار لسجل وطني للأمراض النادرة.

نظرة مستقبلية: فصل جديد للرعاية الصحية الليبية

من المتوقع أن يُصدر المؤتمر بياناً رسمياً يتضمن توصيات لسياسة صحية وطنية، تشمل مقترحات لتوحيد فحص الأمراض النادرة، وبرامج التعليم الطبي المستمر، وتعزيز الروابط بين المؤسسات الليبية والمنظمات الصحية الدولية. ويخطط المنظمون لنشر المداولات وإتاحة النتائج البحثية للعموم، لضمان وصول المعرفة المُنتَجة إلى ما هو أبعد من قاعات المؤتمر.

في بلد عانى سنوات من الانقسام والتفكك المؤسسي، تُقدّم فعاليات كهذا المؤتمر الطبي تذكيراً قوياً بأن التقدم ممكن حين يتوحّد المهنيون حول هدف مشترك. إن أطباء ليبيا لا ينتظرون حلولاً سياسية لبدء إعادة البناء، بل يفعلون ذلك بأنفسهم، مؤتمراً تلو الآخر، وتعاوناً بعد تعاون، ومريضاً في كل مرة.

— ليبيا برس / مكتب الصحة