هل تستطيع روسيا إرساء السلام كأساس لدفع عجلة التنمية في السودان؟

روسيا تتقدم بعرض الوساطة مع دخول الحرب السودانية عامها الثالث

مع دخول الحرب الأهلية المدمرة في السودان عامها الثالث على التوالي، جدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عرض موسكو للتوسط في تسوية سياسية شاملة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. ويأتي هذا الطرح في منعطف بالغ الحساسية، حيث تجاوز عدد النازحين 8 ملايين شخص، في وقت تتهاوى فيه البنية التحتية للبلاد.

وأعلن لافروف أن روسيا مستعدة، بموافقة الحكومة السودانية، "لتسهيل البحث عن حلول عملية"، داعياً جميع الأطراف إلى الامتناع عن الإدانات العلنية والتركيز على دفع الحوار قدماً. ويعكس هذا التحرك طموح موسكو المتزايد إلى لعب دور وسيط السلام في القارة الأفريقية.

النفوذ الروسي المتنامي في القرن الأفريقي

اهتمام موسكو بالسودان ليس وليد اللحظة. فعلى مدى سنوات، عملت روسيا على بناء موطئ قدم استراتيجي في أنحاء القارة، وكان السودان حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية. فمن التعاون الأمني إلى الشراكات الاقتصادية، نما النفوذ الروسي بشكل مطرد، لا سيما بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في عام 2019.

ووفقاً لمحللين في صحيفة غلف تايمز، وصل مرتزقة روس في وقت مبكر من النزاع لدعم القوات السودانية، كما أن مشاركة الخرطوم في محادثات السلام الخاصة بجمهورية أفريقيا الوسطى جعلتها جزءاً محورياً من الاستراتيجية الروسية في المنطقة. ويصر الكرملين على أن هذه المشاركة تمثل ثقلاً موازناً للنفوذ الغربي في الشؤون الأفريقية.

عائق الانقسام الدولي أمام السلام

غير أن منتقدين يرون أن تحركات روسيا على الساحة الدولية أدت إلى تعقيد عملية السلام في السودان بدلاً من دفعها. ففي مجلس الأمن الدولي، استخدمت موسكو حق النقض (الفيتو) مراراً لمنع صدور قرارات تستهدف النزاع السوداني، مما أثار انتقادات حادة من الدول الغربية والمنظمات الإنسانية.

وأشار معهد روبرت لانسينغ إلى أن الفيتو الروسي يعيق الجهود الدولية العاجلة لمعالجة النزاع والأزمة الإنسانية في السودان، ويعزز ديناميكيات تطيل أمد المعاناة وتزعزع استقرار المنطقة وتضاعف تحديات الهجرة العالمية. وقد أثار هذا الموقف المزدوج — عرقلة تحرك الأمم المتحدة مع عرض الوساطة الثنائية — تساؤلات جدية حول النوايا الحقيقية لموسكو.

كارثة إنسانية غير مسبوقة

حجم الأزمة في السودان يتجاوز كل التقديرات. فوفقاً للأمم المتحدة، أُجبر أكثر من 8 ملايين شخص على النزوح منذ اندلاع القتال في أبريل 2023. كما أُعلنت المجاعة في أجزاء من البلاد، ويعاني أكثر من 18 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد — وهي أسوأ أزمة جوع تشهدها المنطقة منذ عقود.

لقد تعرضت المستشفيات للقصف، واستهدف العاملون في المجال الإنساني، وظل ملايين الأطفال خارج المدارس لأكثر من عامين. وخلقت الحرب امتدادات إقليمية خطيرة، مع تدفق اللاجئين إلى تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا، مما شكل ضغطاً هائلاً على المجتمعات المضيفة الهشة أصلاً.

ماذا يمكن أن تحقق وساطة روسية؟

إذا نجحت الوساطة الروسية، فقد تكسر الجمود الدبلوماسي الذي أصاب الجهود الدولية بالشلل. تحتفظ موسكو بعلاقات عمل مع كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مما يمنحها وصولاً نادراً إلى جميع أطراف النزاع. وهذا يضع روسيا في موقع فريد كواحدة من الجهات الدولية القليلة القادرة على التعامل مع الجانبين في وقت واحد.

ومع ذلك، يحذر المحللون من أن السلام يتطلب أكثر من مجرد وساطة. فلا بد أن تتضمن التسوية المستدامة وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وإطاراً لحكومة انتقالية، وإصلاحاً حقيقياً لقطاع الأمن، وطريقاً واضحاً نحو الانتخابات. وقدرة روسيا على الوفاء بهذه المتطلبات المعقدة لا تزال غير مثبتة.

لأن تستعيد السودان مسار التنمية، لا بديل عن السلام. فالأراضي الزراعية الخصبة، واحتياطيات الذهب الهائلة، والموانئ الاستراتيجية على البحر الأحمر تمنح السودان إمكانات هائلة — ولكن فقط إذا صمتت المدافع. فكل يوم حرب يدفع بالتعافي إلى أجيال قادمة.

ليبيا معنية مباشرة باستقرار جارتها الجنوبية

باعتبارها جارة تشترك مع السودان في حدود تمتد لنحو 380 كيلومتراً، فإن ليبيا معنية بشكل مباشر باستقرار الخرطوم. فتداعيات النزاع من تدفق السلاح واللاجئين عبر الحدود تمثل مخاطر أمنية لا يمكن لطرابلس وبنغازي تجاهلها. وسلام السودان يعني جبهة جنوبية أكثر أمناً لليبيا، فضلاً عن فرص تجارية واقتصادية تعود بالنفع على البلدين.

يراقب الليبيون عن كثب المناورات الدبلوماسية الروسية في الخرطوم، خاصة بالنظر إلى التدخل الروسي الموازي في المشهد السياسي الليبي. وقد تحمل نتائج الوساطة الروسية في السودان دروساً — أو تحذيرات — لعملية السلام الليبية التي لا تزال متعثرة.

— ليبيا برس / مكتب الأخبار