خارجية الدبيبة تبحث مع الصومال تفعيل الاتفاقيات وعقد اللجنة المشتركة

تعزيز العلاقات الدبلوماسية الاستراتيجية بين ليبيا والصومال

في خطوة حاسمة تهدف لتعزيز التعاون الإقليمي وتوطيد العلاقات البينية في القارة الأفريقية، بحث طاهر الباعور، المكلف بتسيير شؤون وزارة الخارجية والتعاون الدولي بحكومة الدبيبة، مع سفير جمهورية الصومال الفيدرالية عبد الفتاح شيخ، سبل تطوير الروابط الدبلوماسية والسياسية بين البلدين بما يخدم المصالح العليا لكليهما.

ولم تكن هذه المباحثات مجرد لقاءات بروتوكولية روتينية، بل ركزت بشكل أساسي ومكثف على التفعيل الفوري والعملي للاتفاقيات الثنائية الموقعة سابقاً، والتي ظلت معطلة أو غير مفعلة لفترة طويلة لأسباب إجرائية. وشدد الطرفان خلال الاجتماع على الحاجة الملحة والضرورية لعقد لجنة مشتركة رسمية تهدف إلى مزامنة الأهداف السياسية والاقتصادية، لضمان تحويل هذه الشراكات الورقية إلى مكاسب ملموسة يشعر بها المواطن في كل من ليبيا والصومال.

أبرز الملفات والركائز الاستراتيجية للمباحثات الدبلوماسية

سلط الاجتماع الضوء على عدة ركائز أساسية ستحدد مسار العلاقات الليبية الصومالية في المرحلة المقبلة. ونظراً للاضطرابات الجيوسياسية الراهنة في منطقة القرن الأفريقي والمغرب العربي، اتفق الجانبين على أن النهج الأحادي أو المحدود لم يعد مجدياً في مواجهة التحديات المشتركة، داعين إلى تبني استراتيجية متكاملة وشاملة تشمل ملفات الأمن القومي والتجارة البينية والدعم الدبلوماسي المتبادل في المحافل الدولية.

  • تفعيل الاتفاقيات المعطلة: البدء في مراجعة شاملة لجميع المعاهدات العالقة لإزالة كافة العوائق البيروقراطية والإدارية، وتسهيل حركة التبادل التجاري وانتقال العمالة المهنية والخبرات بين طرابلس ومقديشو بشكل سلس.
  • تأسيس اللجنة المشتركة: وضع إطار عمل مؤسسي ودائم للتبادلات الدبلوماسية، بحيث لا يقتصر التنسيق على الزيارات الرفيعة فحسب، بل يتحول إلى آلية عمل يومية تمنع تراجع مستوى التنسيق بين البلدين.
  • الدعم الدولي المتبادل: تنسيق المواقف الرسمية في المنظمات الدولية، وعلى رأسها الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لدعم الاستقرار السيادي ومكافحة كافة أشكال التدخلات الخارجية في كلا الإقليمين، بما يضمن سيادة الدولتين.

سياق استراتيجي: مسار متصاعد من التنسيق رفيع المستوى

يأتي هذا اللقاء استكمالاً لتوجه استراتيجي أوسع تتبناه وزارة الخارجية الليبية في تعاملها مع العمق الأفريقي؛ حيث كان رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، قد استقبل في وقت سابق وزير الخارجية الصومالي عبد السلام عبدي علي في العاصمة طرابلس. وخلال تلك الزيارة التاريخية، سلم الوزير رسالة خطية رسمية من الرئاسة الصومالية، تعكس اهتمام مقديشو البالغ والجاد بتعميق الروابط مع الإدارة الليبية في مختلف المجالات.

ومن خلال تحويل التركيز من الاجتماعات العامة واللقاءات الرمزية إلى تشكيل لجان فنية متخصصة، تسعى وزارة الخارجية الليبية إلى تجاوز ما يعرف بـ "دبلوماسية المصافحات"، والانتقال الفعلي نحو شراكة قائمة على النتائج والبيانات والمشاريع المشتركة. ويشمل ذلك التركيز على قطاعات حيوية مثل الزراعة، والتعليم التقني، وتطوير البنية التحتية، بما يخدم التنمية المستدامة في البلدين.

انعكاسات الخطوة على السياسة الخارجية الليبية

يمثل التوسع الاستراتيجي في العلاقات مع الصومال تنويعاً مدروساً وعميقاً لشراكات ليبيا في القارة الأفريقية. ففي ظل حالة هشاشة الاستقرار الإقليمي التي تشهدها المنطقة، يوفر التوافق مع دولة تمر بمرحلة انتقالية سياسية واجتماعية مماثلة فرصاً ذهبية لتبادل الخبرات في مجالات الحوكمة، وبناء مؤسسات الدولة، وإدارة الأزمات.

ومن المتوقع أن يفتح تفعيل هذه الاتفاقيات آفاقاً واسعة أمام الاستثمارات والخبرات الفنية الليبية في الخارج؛ فليبيا تمتلك خبرات تراكمية كبيرة في التخطيط الحضري والبنية التحتية يمكن نقلها وتطبيقها في الصومال، بينما تمنح الصومال لليبيا بوابة استراتيجية ومهمة لتعميق نفوذها وشبكاتها التجارية في منطقة شرق أفريقيا، مما يعزز من مكانة طرابلس كلاعب محوري في الدبلوماسية الأفريقية.

النظرة المستقبلية: اللجنة المشتركة ومحرك الاستقرار الإقليمي

من المرتقب أن تكون اللجنة المشتركة المرتقبة هي المحرك الفعلي والأساسي للتعاون المستقبلي بين البلدين، حيث تشير المصادر الدبلوماسية إلى أن أجندتها ستكون طموحة للغاية، وتغطي ملفات حساسة وعالية المخاطر مثل الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن، وتنسيق عمليات مكافحة الإرهاب، وبرامج التبادل الاقتصادي المكثفة لتعزيز التجارة غير النفطية.

ومع سعي حكومة الدبيبة لتعزيز شرعيتها وتوسيع حضورها على الساحة الدولية، فإن هذه الخطوات المدروسة في العمق الأفريقي تؤكد مجدداً موقع ليبيا كلاعب لا غنى عنه في صيانة الاستقرار الإقليمي. وقد يصبح نجاح المحور (الليبي - الصومالي) نموذجاً يحتذى به لتعاون دول الجنوب في القارة السمراء، مما يعزز من التضامن الأفريقي في مواجهة التحديات العالمية.

— ليبيا برس / مكتب السياسة