باكستان تطلق جهود وساطة لتوحيد شرق وغرب ليبيا

تحرك دبلوماسي مفاجئ من إسلام أباد لسد الفجوة العميقة بين مراكز القوى المتنافسة في ليبيا، في محاولة لاستعادة الاستقرار الوطني وتجاوز حالة الانسداد السياسي.

بدأت باكستان بهدوء عملية وساطة دبلوماسية استراتيجية بين حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً في غرب ليبيا والسلطات التي تحكم الشرق. وتمثل هذه الخطوة توسعاً ملحوظاً في الدور الدبلوماسي الدولي لإسلام أباد، مما يشير إلى رغبتها في لعب دور محوري في تعزيز استقرار منطقة شمال أفريقيا.

وبحسب تقارير وكالة رويترز، نقلاً عن مصدرين باكستانيين رفيعي المستوى، تهدف هذه المبادرة إلى تسهيل تسوية سياسية ظلت بعيدة المنال رغم عقود من التدخلات الدولية المكثفة. ويأتي هذا التحرك كمفاجأة للمراقبين الجيوسياسيين، خاصة أن باكستان كانت تركز تقليدياً على ديناميكيات جنوب آسيا، وكانت بعيدة تاريخياً عن النزاعات الدائرة في منطقة المتوسط.

طموحات استراتيجية: توسيع الدور الدبلوماسي الباكستاني

يُنظر إلى قرار إسلام أباد بالتدخل في الأزمة الليبية كخطوة مدروسة لرفع مكانتها العالمية. فمن خلال تقديم نفسها كوسيط محايد وغير غربي، تسعى باكستان إلى إثبات قدرتها على إدارة الأزمات الدولية الكبرى، وبناء جسور تواصل استراتيجية أقوى مع القوى الفاعلة في حوض المتوسط ودول الخليج العربي.

ويرى خبراء دبلوماسيون أن باكستان تحاول استغلال موقعها الجيوسياسي الفريد — من خلال الحفاظ على علاقات براغماتية مع مجموعة متنوعة من اللاعبين العالميين — لتقديم رؤية جديدة وأقل انحيازاً حول حالة الجمود بين طرابلس وبنغازي. وتشير المعلومات إلى أن هذه المبادرة صُممت لتعمل "بهدوء" بعيداً عن الضغوط العامة والأطر الجامدة التي غالباً ما ترتبط بالقمم الدولية رفيعة المستوى.

علاوة على ذلك، يمكن اعتبار هذه الخطوة وسيلة لباكستان لتنويع ملفها الدبلوماسي، والانتقال من تحالفاتها التقليدية لتثبيت مكانتها كصانعة سلام عالمية. فإذا نجحت في التوسط في ليبيا، ستكتسب باكستان نفوذاً واحتراماً كبيراً داخل منظمة التعاون الإسلامي وفي إطار الأمم المتحدة بشكل عام.

الجذور العميقة للمأزق السياسي الليبي

على مدى أكثر من عقد من الزمان، عاشت ليبيا حالة من الانقسام المؤسسي العميق بين إدارتين متنافستين، مما أدى إلى فشل نظامي في الحوكمة. فبينما تكافح حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس من أجل الشرعية الكاملة والسيطرة الميدانية، تفرض السلطات في بنغازي وطبرق قبضة قوية على الهلال النفطي في الشرق. هذا الانقسام لم يشل العملية السياسية فحسب، بل أعاق بشكل مباشر التعافي الاقتصادي والتماسك الاجتماعي.

وقد ركزت المبادرات الأخيرة التي قادتها الولايات المتحدة وبدعم إيطالي على توحيد مؤسسات الدولة، مع التركيز بشكل خاص على المصرف المركزي الليبي والجهاز العسكري. ومع ذلك، فإن انعدام الثقة العميق، والرؤى المتضاربة لمستقبل البلاد، والمصالح المتباينة للمليشيات المحلية والنخب السياسية، أدت في كثير من الأحيان إلى تعثر هذه العمليات في اللحظات الأخيرة.

إن استمرار وجود مراكز قوى متنافسة خلق فراغاً غالباً ما ملأته أطراف خارجية، مما أدى في بعض الأحيان إلى تفاقم الصراع. وهنا قد يكون إدخال وسيط جديد وغير تقليدي مثل باكستان قادراً على كسر هذه الحلقة من خلال تقديم مجموعة مختلفة من الحوافز والأساليب الدبلوماسية.

الآثار المحتملة والطريق نحو الاستقرار في ليبيا

إذا نجحت هذه الوساطة، فقد توفر مخرجاً حاسماً للحوار يتجاوز "الأعباء الدبلوماسية" المرتبطة بالجهود التي يقودها الغرب. هناك رغبة شعبية ليبية عارمة من المواطنين الذين أرهقتهم سنوات عدم الاستقرار، ويتطلعون إلى حكومة موحدة قادرة على إدارة الثروات الطبيعية الشاسعة في البلاد لصالح جميع الليبيين.

ولتحقيق اختراق مستدام، يجب أن تعالج أي جهود وساطة ثلاث ركائز أساسية في الأزمة الليبية:

  • التوحيد المؤسسي: الضرورة القصوى لتوحيد مؤسسات الدولة المشتتة، وخاصة القطاع المالي، لمنع التخريب الاقتصادي.
  • خارطة طريق انتخابية موثوقة: وضع جدول زمني واقعي وشامل وموثوق لإجراء الانتخابات الوطنية لمنح الحكومة شرعية حقيقية.
  • إصلاح القطاع الأمني: التفاوض على نقل السيطرة العسكرية ودمج المجموعات المسلحة المتباينة في جيش وطني واحد.

ورغم أن احتمالات الوصول إلى حل سريع تظل صعبة نظراً لتعقيد المشهد المحلي، إلا أن دخول إسلام أباد على الخط يضيف بُعداً جديداً من الاحتمالية. وسواء أدى ذلك إلى اختراق حقيقي أو ظل مجرد إيماءة رمزية، فإنه يسلط الضوء على الاعتراف الدولي المتزايد بأن الأزمة الليبية تتطلب مجموعة أكثر تنوعاً من الأدوات الدبلوماسية.

— ليبيا برس / مكتب السياسة