ليبيا بعد 15 عامًا: كيف يُبقي "الاستقرار الزائف" المبادرات الميتة الدولة رهينة الانقسام

خمسة عشر عامًا من ثورة غير مكتملة

بعد مرور خمسة عشر عامًا على سقوط نظام معمر القذافي، لا تزال ليبيا رهينة دورة من الانقسام السياسي الذي عجزت كل المبادرات الدولية عن كسرها. بين مسار دبلوماسي أمريكي وآخر تقوده الأمم المتحدة، لم تنجح أي منهما في إنتاج سلطة سياسية شرعية قادرة على إنهاء الانقسام المؤسسي العميق. المشكلة الحقيقية ليست في غياب خطط السلام، بل في تحوّل هذه الخطط نفسها إلى أدوات لإدارة الانقسام بدلاً من إنهائه.

اليوم، تقف البلاد أمام مقترح أمريكي براغماتي يبحث عن استقرار سريع عبر صفقات النخب، ومسار أممي يسعى إلى توافق مجتمعي أوسع. لكن كلاهما يدور في فلك "الاستقرار الزائف" و"المبادرات الميتة" دون أن يلمس جذور الأزمة.

المبادرة الأمريكية: صفقات النخب بدل بناء المؤسسات

طرح مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية تصورًا لإعادة هندسة السلطة التنفيذية في ليبيا، يقضي باستبدال المجلس الرئاسي الحالي برئاسة محمد المنفي بمجلس جديد يتولى رئاسته صدّام حفتر نجل المشير خليفة حفتر، مقابل استمرار عبد الحميد الدبيبة على رأس حكومة موحّدة تدمج حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس مع حكومة الاستقرار الموازية في الشرق.

سرعان ما أثار المقترح موجة رفض واسعة. هاجم رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الخلة الأمريكية، مؤكدًا أن ليبيا تقف أمام مفترق طرق حاسم بين خيار "بناء الدولة" وخيار "الصفقات"، محذرًا من مخاطر الوصاية الأجنبية وتغليب المصالح الضيقة. فيما رفض رئيس مجلس الدولة محمد تكالة أي تسوية سياسية تُبرم خارج نصوص الاتفاق السياسي الليبي المعتمد.

المسار الأممي: 112 صفحة تُبدد التفاؤل

أصبعت البعثة الأممية في ليبيا تقريرها النهائي البالغ 112 صفحة حول "الحوار الهيكلي" الذي يدعم جزئيًا توحيد الميزانية ويشير إلى مناورات "فلينتلوك 26" المشتركة بين قوات من شرق البلاد وغربها في سرت — وهي الأولى من نوعها. غير أن التقرير يُبدد التفاؤل الأمريكي حين يثبت أن توحيد الميزانية ليس سوى آلية لتقاسم عوائد النفط بين النخب، وأن التنسيق العسكري لا يلغي الانقسام العقائدي و"فيتو الميليشيات".

يرى الباحث في العلوم السياسية أبو بكر لحاسي أن الميزانية الموحدة باتت تحيط بها تحفظات متزايدة في الأوساط المحلية والأكاديمية، موضحًا أن المنتقدين يعتبرونها انعكاسًا لموازين القوة والنفوذ بين الفاعلين السياسيين والعسكريين أكثر من كونها مدخلًا لتوحيد المؤسسات وإنجاز الاستحقاق الانتخابي.

فخ المحاصصة المالية

يصف المحلل السياسي محمود محمد فحيل الديناميكيات الراهنة بأنها محكومة بـ"فخ المحاصصة المالية"، التي تضمن من خلالها القيادة العامة وصندوق الإعمار تدفق حصصهما من البنك المركزي. ويبقى النفط القطاع الوحيد المنتظم في بلد تعتريه الفوضى السياسية والأمنية والعسكرية.

يستمر تفوّق الحالة التنموية والأمنية في إقليمي فزان وبرقة على حساب المنطقة الغربية، وهو ما يثير رضا سكان الشرق والجنوب لكنه لا يرضي الشريك الثالث في الغرب الليبي. فيما تواصل القيادة العامة للجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر تقديم نفسها كضامن للمشروع الوطني في مواجهة الميليشيات والتيارات الإسلاموية.

تراجع الوجود الروسي في ليبيا

يلفت فحيل إلى تراجع لافت في النفوذ الروسي على الأرض، حيث سجّل الخبراء الروس غيابًا بارزًا في مناورة "درع الكرامة 2" الأخيرة في منطقة رأس العلبة — الأضخم للجيش الوطني — على عكس الحضور المكثف السابق. ويخلص إلى أن موسكو باتت ترهن ملفها الليبي بمسار الصراع الأوكراني-الروسي، سعيًا لإيجاد مخارج لعقد صفقة أوسع مع واشنطن.

لماذا هذا مهم لكل ليبي؟

يمتد تأثير الشلل السياسي إلى ما هو أبعد من طرابلس وبنغازي. بدون حكومة موحدة، لا يمكن لليبيا معالجة البنية التحتية المتهالكة أو الخدمات العامة المتدهورة أو المعاناة الاقتصادية اليومية. ثروة النفط — التي تُقدّر بأكثر من 48 مليار برميل احتياطي مؤكد — مستمرة في التدفق لكن عوائدها يستحوذ عليها نخب متنافسة بدلاً من وصولها إلى المواطنين. أكثر من 700 ألف ليبي لا يزالون نازحين داخليًا، ومعدل بطالة الشباب يتجاوز 50 بالمئة. ثمن المرحلة الانتقالية اللامحدودة يُقاس بالأرزاق الضائعة لا بالنظريات السياسية.

انتخابات دون إصلاح: وصفة لتجدد الحرب

تحمل البعثة الأممية في تقريرها الأخير تحذيرًا صريحًا: "الغاية النهائية ليست مجرد إجراء الانتخابات، بل ضمان أن تكون وسيلة لإنهاء المرحلة الانتقالية لا لإعادة إنتاجها." مأساة ليبيا ليست في غياب المبادرات بل في تعدّدها. بعد خمسة عشر عامًا، تبدو الأزمة أقرب إلى صراع على إدارة الانقسام لا على إنهائه. حتى يُوضع الليبيون أنفسهم في صلب عملية حقيقية وشاملة تُفكك قوة الميليشيات وتوحّد المؤسسات وتوزّع الثروة النفطية بعدالة، ستظل البلاد تدور في فلك المراحل الانتقالية التي لا تنتهي.

— ليبيا برس / مكتب السياسة