ليبيا تطلق الرقم الاقتصادي الموحد.. خطوة تاريخية نحو التحول الرقمي الشامل

قرار مجلس الوزراء رقم 348 لسنة 2026 يمهد الطريق لإنشاء سجل اقتصادي رقمي موحد

أصدر مجلس الوزراء الليبي القرار رقم (348) لسنة 2026، ليأذن لوزارة الاقتصاد والتجارة بالشروع في تنفيذ مشروع الرقم الاقتصادي الموحد، في مبادرة رقمية تاريخية تهدف إلى إنشاء معرف وطني واحد لجميع الكيانات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية العاملة في البلاد. ويُعد هذا القرار أحد أبرز الإصلاحات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد الليبي في السنوات الأخيرة، ويعكس التزام الحكومة ببناء منظومة رقمية متكاملة لتنظيم النشاط الاقتصادي وتعزيز الشفافية.

ما هو الرقم الاقتصادي الموحد؟

الرقم الاقتصادي الموحد هو معرف وطني يُخصص لكل كيان تجاري واقتصادي مسجل قانونياً في ليبيا، ليكون المرجع الأساسي والوحيد في جميع التعاملات الرسمية بين القطاع الخاص والدولة. ووفقاً لوزارة الاقتصاد والتجارة، سيعمل المشروع على دمج بيانات التسجيل المجزأة والمنتشرة حالياً عبر جهات حكومية متعددة في سجل واحد موحد يُدار رقمياً بالكامل.

وسيشمل هذا المعرف جميع التفاعلات الرسمية بين الشركات والدولة، من الإقرارات الضريبية والتخليص الجمركي إلى الترخيص والتأمين الاجتماعي والتقارير الإحصائية. ويهدف النظام إلى القضاء على التسجيلات المكررة، وتقليل التعقيدات البيروقراطية، وتوفير رؤية شفافة وفورية للنشاط الاقتصادي في ليبيا.

مجلس وطني للإشراف على التنفيذ

نص القرار أيضاً على إنشاء المجلس الوطني للرقم الاقتصادي الموحد، برئاسة وزير الاقتصاد والتجارة وعضوية ممثلين عن الجهات الحكومية ذات العلاقة. ويتولى المجلس مهام الإشراف على تنفيذ المشروع، واعتماد خطط العمل، ومتابعة مراحل التنفيذ، ووضع السياسات والمعايير التنظيمية بما يضمن التطبيق الفعال للمشروع على المستوى الوطني.

وأكدت الوزارة أن التنفيذ سيتم بالتنسيق الكامل مع جميع الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة، من خلال ربط قواعد البيانات وتبادل المعلومات وفق أعلى معايير الحوكمة والتحول الرقمي. ويُعد هذا التنسيق بين الجهات المختلفة عنصراً حاسماً لنجاح المشروع، خاصة في ظل المشهد المؤسسي المجزأ الذي عانت منه ليبيا لعقود.

أهمية المشروع للاقتصاد الليبي

عانى الاقتصاد الليبي لسنوات طويلة من غياب سجل تجاري موحد، مما اضطر الشركات إلى التسجيل بشكل منفصل لدى السجل التجاري، ومصلحة الضرائب، ومصلحة الجمارك، وصندوق التأمين الاجتماعي، وجهات تنظيمية أخرى، تحتفظ كل منها بقاعدة بيانات منفصلة بمعايير غير متسقة وتكاد تكون قابلية التشغيل البيني بينها معدومة.

وقد خلق هذا التشرذم بيئة خصبة للنشاط الاقتصادي غير الرسمي والتهرب الضريبي والممارسات التنظيمية غير المنضبطة. ويهدف الرقم الاقتصادي الموحد إلى معالجة هذه الإشكاليات من خلال إنشاء مصدر موحد وموثوق لبيانات الكيانات الاقتصادية، يمكن لجميع الجهات الحكومية المعتمدة الوصول إليه في الوقت الفعلي.

  • تعزيز الشفافية: السجل الموحد يحد من قدرة الشركات على العمل خارج الاقتصاد الرسمي
  • تبسيط الإجراءات: ستتمكن الشركات من إنجاز التسجيلات والتجديدات عبر بوابة رقمية واحدة
  • بيانات دقيقة لصناع القرار: البيانات الاقتصادية اللحظية تمكن من اتخاذ قرارات قائمة على الأدلة
  • تحسين مناخ الاستثمار: يمنح المستثمرين الدوليين رؤية واضحة للكيانات المسجلة قانونياً

الانسجام مع رؤية التحول الرقمي الأوسع

يأتي مشروع الرقم الاقتصادي الموحد ضمن إطار أوسع لجهود حكومة الوحدة الوطنية لتحديث البنية التحتية الرقمية في ليبيا. وتنسجم هذه المبادرة مع الاستراتيجية الوطنية للاتصالات التي قدمتها الهيئة العامة للاتصالات والمعلوماتية خلال منتدى طنجة COM 2026، والتي أوضحت طموحات ليبيا في مجال السيادة الرقمية والتحول نحو الاقتصاد المعرفي.

ويشير المحللون إلى أن التحول الرقمي في ليبيا، رغم كونه واعداً، يواجه تحديات كبيرة تشمل ضعف الاتصال بالإنترنت في بعض المناطق، وأنظمة تكنولوجيا المعلومات القديمة في المؤسسات الحكومية، والحاجة إلى بناء قدرات بشرية ومؤسسية كبيرة. غير أن الرقم الاقتصادي الموحد يمثل نقطة انطلاق ملموسة وعالية التأثير يمكنها أن تثبت للمواطنين والشركات على حد سواء قيمة الحوكمة الرقمية.

الخطوات المقبلة

من المتوقع أن تصدر وزارة الاقتصاد والتجارة خارطة طريق تنفيذية مفصلة خلال الأسابيع المقبلة، تشمل جداول زمنية للنشر المرحلي للرقم الاقتصادي الموحد عبر مختلف القطاعات والمناطق الليبية. وستركز المرحلة الأولى غالباً على تسجيل الكيانات التي تعمل حالياً بشكل رسمي، على أن تليها حملة لاستقطاب الشركات غير الرسمية إلى السجل الموحد.

سيعتمد نجاح المشروع بدرجة كبيرة على التعاون بين الجهات الحكومية، والقدرات التقنية المتاحة، والتوعية العامة بأهمية المشروع. وإذا طُبق الرقم الاقتصادي الموحد بفعالية، فإنه قادر على إعادة تشكيل طريقة إدارة ليبيا لبياناتها الاقتصادية — مما يحد من الفساد، ويرفع الإيرادات الضريبية، ويخلق بيئة أكثر استقراراً وجاذبية لرواد الأعمال المحليين والمستثمرين الأجانب على حد سواء.

— ليبيا برس / مكتب التقنية