تراجع ترتيب ليبيا إلى المركز 138 عالمياً في مؤشر حرية الصحافة 2026

هبطت ليبيا إلى المرتبة 138 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، مسجلة 40.34 نقطة فقط، مما يعكس تدهوراً حاداً في بيئة العمل الإعلامي.

كشف التقرير الأخير الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود"، والذي تزامن مع الاحتفاء باليوم العالمي لحرية الصحافة، عن واقع مرير يواجه المشهد الإعلامي في ليبيا. وبسقوطها من المركز 137 الذي كانت تشغله في عام 2025، تؤكد ليبيا استمرار المنحى النزولي في مستوى الالتزام باستقلالية الصحافة وضمان سلامة العاملين في الميدان.

إن هذا التراجع ليس مجرد رقم في قائمة دولية، بل هو تعبير عن تآكل منهجي للركائز التي يقوم عليها المجتمع الحر. فبالنسبة للصحفيين في طرابلس وبنغازي والجنوب الليبي، أصبحت بيئة العمل عدائية بشكل متزايد، تحكمها حالة من عدم الاستقرار السياسي وغياب تام للمساءلة القانونية.

تحليل معمق لمؤشرات التراجع

يوفر مؤشر 2026 نظرة تفصيلية على مكامن الخلل الهيكلي في الدولة. ووفقاً لبيانات المنظمة، شهدت ليبيا انخفاضاً في عدة مؤشرات حيوية تعكس حجم المعاناة من أجل استعادة استقلالية الإعلام في ظل دولة مجزأة:

  • المؤشر السياسي (46.46): تعكس هذه الدرجة تغلغل النفوذ السياسي داخل غرف الأخبار، حيث تلاشت الحدود الفاصلة بين التغطية المهنية المستقلة وبين الدعاية السياسية الموجهة، وغالباً ما يتم توجيه المؤسسات الإعلامية لخدمة أجندات ضيقة.
  • المؤشر الاقتصادي (42.46): يبرز هذا الرقم كيف يتحول عدم الاستقرار المالي إلى أداة رقابة غير مباشرة؛ إذ تعاني المؤسسات المستقلة من ضغوط مالية خانقة تجعلها عرضة للاستحواذ أو الإغلاق القسري، مما يقلص تنوع الأصوات المتاحة للجمهور.
  • المؤشر التشريعي (46.32): يظل الإطار القانوني في ليبيا "سلاحاً" بدلاً من أن يكون "درعاً"، حيث يواجه الصحفيون نصوصاً قانونية فضفاضة تتيح للسلطات وصف العمل الصحفي المشروع بأنه "تهديد للأمن القومي".

أثر الانقسام السياسي والتضييق

يرى مراقبون أن هذا الهبوط هو النتيجة الحتمية لحالة الانقسام السياسي المزمنة. فقد أدى غياب سلطة قانونية مركزية موحدة إلى خلق "فراغ أمني" جعل الصحفيين عرضة للمضايقات والاعتقالات التعسفية من قبل المجموعات المسلحة والقوى الإقليمية في الشرق والغرب على حد سواء.

وفي هذا الصدد، أكدت تقارير محلية أن المناخ الحالي يعد من أسوأ مستويات حرية الإعلام منذ ربع قرن، حيث اتسعت الفجوة بشكل صارخ بين الخطابات الرسمية التي تتحدث عن "التحول الديمقراطي" وبين الواقع المرير الذي يعيشه المراسلون على الأرض.

علاوة على ذلك، أضفى التطور في تقنيات المراقبة الرقمية طبقة جديدة من المخاطر؛ إذ لم يعد الاستهداف جسدياً فحسب، بل شمل هجمات سيبرانية منظمة وحملات تشويه ممنهجة على منصات التواصل الاجتماعي، تقودها جهات مجهولة مرتبطة بصراعات سياسية.

تداعيات التراجع على المواطن الليبي

إن تآكل حرية الصحافة ليس مجرد "شكوى مهنية" تخص الصحفيين، بل هو خسارة مباشرة لكل مواطن ليبي. فالحق في الوصول إلى معلومة دقيقة، موثوقة وغير منحازة هو الركيزة الأساسية للمواطنة المستنيرة والمشاركة الفعالة.

عندما تخضع المؤسسات الإعلامية للضغوط الاقتصادية أو التهديدات التشريعية، يجد الجمهور نفسه أمام رؤية مشوهة للواقع. هذا الغياب للشفافية يفتح الباب على مصراعيه أمام الفساد ليزدهر دون رادع، ويمنع المواطنين من محاسبة المسؤولين عن تدهور الخدمات أو انتهاكات حقوق الإنسان.

ويمثل مؤشر 2026 بمثابة ناقوس خطر يدق بقوة؛ فبدون صحافة حرة ومستقلة، يظل الطريق نحو استقرار ليبيا وديمقراطيتها مسدوداً. وتبرز اليوم الحاجة الملحة لتأسيس هيئة قضائية مستقلة تملك الصلاحية لحماية الصحفيين من الانتقام السياسي في كافة ربوع البلاد.

السياق العالمي والمسار نحو التعافي

بينما يشير تقرير "مراسلون بلا حدود" إلى تراجع عالمي في حرية الصحافة، فإن حالة ليبيا تعكس المخاطر النوعية التي تواجه الدول في مراحل الانتقال السياسي المتعثرة. وفي هذه البيئات، غالباً ما تكون الصحافة هي الضحية الأولى لعدم الاستقرار.

ولكي تستعيد ليبيا مكانتها في التصنيفات العالمية، يجب أن يكون النهج إصلاحياً وشاملاً. لا يكفي إصدار بيانات تضامن، بل يجب سن تشريعات ملموسة تجرم الاعتداء على الصحفيين وتلغي تجريم النشاط الصحفي المهني.

الهدف النهائي يجب أن يكون خلق "منطقة آمنة" تتيح للصحفيين كشف ملفات الفساد ومتابعة الصراعات وتحدي الروايات الرسمية دون خوف على حياتهم أو حريتهم. عندها فقط يمكن للإعلام أن يقوم بدوره الحقيقي كرقيب على أداء الدولة وحارس للمصلحة العامة.

— ليبيا برس / مكتب السياسة