إعادة ضبط ليبيا: لماذا تتجه الولايات المتحدة وتركيا نحو التعاون في 2026

تحالف أمريكي تركي جديد يعيد تشكيل المشهد السياسي في ليبيا

بعد خمسة عشر عاماً من الانقسام بين الإدارتين المتنافستين في طرابلس وبنغازي، يشهد المشهد الليبي تحولاً جيوسياسياً كبيراً. فالولايات المتحدة وتركيا — القوتان اللتان طالما اتبعتا أجندات متباينة — تجدان أرضية مشتركة بشكل متزايد، مما يمهد الطريق لما يصفه المحللون بإعادة ضبط محتملة في السياسة الليبية.

من التجزئة إلى وحدة هشة

عندما انتهى حكم معمر القذافي الذي امتد لأربعة عقود عام 2011 إثر التدخل الذي قاده الناتو، تركت ليبيا دون دولة فاعلة. انقسمت البلاد بين حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً في طرابلس بقيادة عبد الحميد الدبيبة، والجيش الوطني الليبي بقيادة عائلة حفتر في الشرق.

عندما تدخلت تركيا عسكرياً، توقف هجوم خليفة حفتر على طرابلس، وتأسس توازن عسكري هش استمر منذ ذلك الحين. ظل الداعمون الدوليون لكل طرف يعمقون الانقسامات بدلاً من تقريب وجهات النظر لسنوات.

حسابات النفط في واشنطن

الاهتمام الأمريكي المتجدد بليبيا مدفوع بأمن الطاقة بشكل أساسي. الاستراتيجية التي يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الشؤون العربية والشرق أوسطية، تهدف لجمع الفصائل المتنافسة تحت مظلة حكم واحدة. الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، بينما حقول النفط ومحطات التصدير تحت سيطرة حفتر.

بدون اتفاق بين الجانبين، لا يمكن تحقيق استثمارات واسعة أو استقرار دائم. اجتماع سري في روما سبتمبر الماضي توج باتفاق ثلاثي لتقاسم السلطة في 18 يونيو. وقعت شركات الطاقة الكبرى صفقات استكشاف بالمليارات، منها اتفاق بـ20 مليار دولار مع توتال إنيرجي وكونوكو فيليبس. مناورات فلينتلوك 2026 في سرت جمعت القوات الشرقية والغربية تحت قيادة مشتركة لأول مرة.

تداعيات الحرب مع إيران

توقيت الاهتمام الأمريكي المتجدد بليبيا لا ينفصل عن الصراع مع إيران. الأزمة في مضيق هرمز — الذي يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية — رفعت الأسعار فوق 115 دولاراً للبرميل. سحبت واشنطن نحو 172 مليون برميل من احتياطي البترول الاستراتيجي، لتصل الاحتياطيات لأدنى مستوياتها منذ الثمانينيات.

أصبحت ليبيا جاذبة استراتيجياً لأنها تقدم بديلاً لا يعتمد على مضيق هرمز: قربها من أوروبا ونفطها الخفيف المناسب للمصافي الأوروبية. مع الاستقرار السياسي، قد يتجاوز الإنتاج الليبي مليوني برميل يومياً، مما يوفر حاجزاً حاسماً ضد الاضطرابات في الخليج.

الرؤية التركية في ليبيا

المصلحة التركية تقوم على منطق مختلف. فبالنسبة لأنقرة، الأولوية ليست للنفط بل لاستقرار ليبيا وسلامتها الإقليمية وإجراء انتخابات حرة بتمثيل شرعي.

في 2019، حين حاصر حفتر طرابلس، وقعت تركيا اتفاقية تعاون عسكري مع حكومة الوحدة الوطنية، ثم تدخلت مباشرة لوقف تقدمه في 2020. غيّر هذا ليبيا من ساحة كانت تركيا تواجه فيها ظروفاً غير مواتية إلى ساحة أصبحت فيها الطرف الفاعل الأكثر تأثيراً. لقاء رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين بصدام حفتر في بنغازي والزيارات البحرية إلى الشرق الليبي تشير لتعميق الشراكة.

تقارب لا تنافس

واشنطن وأنقرة لا تديران مشاريع متنافسة في ليبيا. يبدو أن الولايات المتحدة توصلت، بعد أكثر من عقد من سياسات احتواء النفوذ التركي، إلى أن الملف الليبي لا يمكن إدارته بدون أنقرة. المقارنة مع سوريا مفيدة — ففي كلتا الحالتين، تتكيف واشنطن مع قدرة تركيا على تشكيل النتائج بشكل مستقل.

ما نراه الآن هو تحول من المواجهة إلى تفاهم عملي بين طرفين يسعيان لأولويات مختلفة لكنهما يتقاربان نحو الهدف نفسه: ليبيا مستقرة. يعتمد تحول هذا إلى شراكة ملموسة على مفاوضات حفتر والدبيبة، وقدرة تركيا على لعب دورها دون المساس بمبادئ الاستقرار والوحدة والمطالب الشعبية التي حددت سياستها الليبية.

— ليبيا برس / مكتب السياسة