المسار الأمني في ليبيا: أعضاء الحوار المنظم يناقشون إطار الاستقرار الوطني والإصلاح المؤسسي

الحوار المنظم بقيادة الأمم المتحدة يضع توحيد المؤسسات العسكرية كأولوية قصوى لإنهاء دوامة الصراعات

كثف أعضاء المسار الأمني ضمن "الحوار المنظم" مناقشاتهم الشاملة الرامية إلى إرساء نهج تسلسلي ومهني لإصلاح قطاع الأمن والحوكمة في ليبيا. ويهدف هذا المسار بشكل أساسي إلى صياغة مجموعة من التوصيات الملموسة والقابلة للتنفيذ، التي تضمن نقل البلاد بشكل فعال من حالة تشتت السيطرة الميليشياوية إلى بناء منظومة أمنية وطنية موحدة ومهنية، قادرة على الحفاظ على السلام والاستقرار على المدى الطويل.

وبحسب تقارير مفصلة صادرة عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، شهدت هذه الجلسات الحاسمة مشاركة واسعة من مختلف الأطراف، بما في ذلك ممثلو المؤسسات الرسمية رفيعو المستوى، وقادة المجتمع المدني، ونخبة من الخبراء الدوليين المرموقين. وتركز المداولات الجارية على الضرورة القصوى لتوحيد كل من المؤسسات العسكرية وأجهزة إنفاذ القانون تحت مظلة حوكمة واحدة، شفافة وخاضعة للمساءلة، لخدمة كافة ربوع الوطن.

التركيز الاستراتيجي على حوكمة الدفاع وإنفاذ القانون

شكلت تعقيدات إدارة قطاع الدفاع محوراً أساسياً في المداولات الأخيرة، حيث عمل المشاركون على تحليل دقيق لآليات إعادة هيكلة القوات المسلحة في منطقتي الشرق والغرب، لتمهيد الطريق أمام توحيد عسكري شامل ومستدام. وتؤكد هذه الاستراتيجية على تبني خارطة طريق تدريجية ومرحلية — تقوم على دمج القوات خطوة بخطوة — بدلاً من الاندماج الفوري عالي المخاطر الذي قد يؤدي إلى اندلاع اشتباكات جديدة.

وفي ذات السياق، يتم إعطاء الأولوية لحوكمة إنفاذ القانون بضرورة ملحة، مع التشديد على التفعيل المطلق لسيادة القانون والاحترام التام لحقوق الإنسان. والهدف الجوهري هنا هو ضمان عمل كافة القوات الأمنية تحت إشراف مدني صارم وتفويضات قانونية واضحة، مما يؤدي إلى تقليص الممارسات التعسفية للجماعات المسلحة بشكل جذري واستعادة ثقة المواطن في أجهزة الدولة الحمائية.

التكامل الاستراتيجي لمنطقة فزان: تأمين الجنوب

برز تكامل منطقة فزان الاستراتيجي في الجنوب كأحد أهم الملفات المطروحة في الحوار. وأكد الخبراء أن استقرار ليبيا الشامل يظل مستحيلاً دون دمج الجنوب الليبي بشكل كامل في هيكل الأمن الوطني. ويأتي ذلك نظراً للأهمية الاقتصادية الكبرى للمنطقة، ودورها الاستراتيجي في تأمين الحدود، ومكافحة عمليات التهريب، وإدارة الموارد الطبيعية الحيوية للبلاد.

كما أوصى المسار الأمني بتبني استراتيجيات محلية محددة للحد من العنف المجتمعي في المناطق الجنوبية، مع الإقرار بأن التهميش والشعور بالظلم المحلي غالباً ما يكونان الوقود الذي يغذي عدم الاستقرار على المستوى الوطني. ومن خلال دمج الاحتياجات الأمنية الخاصة بفزان في الإطار الوطني العام، يسعى الحوار المنظم إلى خلق مظلة أمنية شاملة تمنع التهميش وتضمن العدالة الأمنية.

مكافحة تجنيد الميليشيات وتأمين المسارات الديمقراطية

لضمان جدوى وسلامة العمليات الديمقراطية المقبلة، يعكف المسار الأمني على مراجعة النتائج الحاسمة المتعلقة بتأمين الانتخابات الوطنية. ويتضمن ذلك وضع استراتيجيات استباقية لمنع النزاعات، وتهيئة بيئة آمنة للناخبين والمراقبين والمرشحين في كافة البلديات الليبية، لضمان عدم المساس بصناديق الاقتراع من قبل التدخلات المسلحة.

علاوة على ذلك، ناقش الأعضاء الضرورة الملحة لتجريم تجنيد الميليشيات بشكل قانوني وصارم. فمن خلال تصنيف التجنيد غير المصرح به كجريمة جنائية خطيرة، يهدف الحوار إلى تفكيك الحوافز المالية والضغوط الاجتماعية التي تعتمد عليها الميليشيات للحفاظ على وجودها واستقلاليتها عن الدولة. وتعتبر هذه الخطوة شرطاً أساسياً لاستعادة الدولة لاحتكار الاستخدام المشروع للقوة.

الرؤية الختامية: الطريق نحو وحدة وطنية مستدامة

خلص المشاركون في الجلسات التي ترأستها الممثلة الخاصة للأمين العام، حنا تيتيه، إلى أن الوحدة الوطنية الحقيقية مرتبطة عضوياً وبشكل لا ينفصم بتوحيد المؤسسات الأمنية. فبدون وجود سلسلة قيادة واحدة وموحدة، ومدونة سلوك مهنية مشتركة، ستظل كافة الاتفاقات السياسية الموقعة في العواصم الخارجية مجرد مسودات هشة عرضة للانهيار في أي لحظة.

ويواصل الحوار المنظم جهوده لتنقيح توصياته النهائية. وسيتم تقديم هذه التوصيات إلى السلطات الليبية كخارطة طريق للانتقال بالبلاد نحو دولة مستقرة وآمنة وموحدة، حيث تسود سلطة القانون فوق سلطة السلاح، مما يضمن مستقبلاً مسالمًا لجميع المواطنين.

— ليبيا برس / مكتب الأمن