الأراضي الرطبة في ليبيا تحت التهديد: كنز بيئي وملاذ الطيور المهاجرة يواجه الإهمال

الأراضي الرطبة في ليبيا تفقد تنوعها البيولوجي بفعل الزحف العمراني والتلوث وضعف إنفاذ القوانين

تمتد الأراضي الرطبة في ليبيا كواحدة من أهم النظم البيئية الطبيعية في شمال أفريقيا، إذ تضم البحيرات الساحلية والسبخات والمسطحات المائية الموسمية وينابيع المياه العذبة. لكن هذه الثروة الطبيعية التي تُعد ملاذًا آمنًا لملايين الطيور المهاجرة تواجه تهديدات متصاعدة قد تقضي عليها.

في مقابلة حصرية مع وكالة "سبوتنيك"، حذر الأكاديمي الليبي والمتخصص في الموارد الطبيعية بجامعة بنغازي، ناصر داود، من أن الأراضي الرطبة الليبية تتعرض لخطر حقيقي جراء الزحف العمراني والتلوث وضعف تطبيق القوانين البيئية.

اتفاقية رامسار والتزام ليبيا الدولي

صدقت ليبيا على اتفاقية رامسار الدولية لحماية الأراضي الرطبة في 13 يونيو عام 2000، لتلزم نفسها بالحفاظ على هذه النظم البيئية وإدارتها بشكل مستدام. وتشمل الاتفاقية المستنقعات والسبخات والمسطحات المائية الطبيعية والاصطناعية، سواء كانت دائمة أو مؤقتة، عذبة أو مالحة، إضافة إلى المناطق البحرية التي لا يتجاوز عمق المياه فيها ستة أمتار عند انخفاض المد.

من أبرز المواقع الليبية المسجلة ضمن رامسار، منطقتا عين الشقيقة وعين الزرقاء، وهما من أوائل المواقع التي أُدرجت نظراً لأهميتهما البيئية الاستثنائية كنقطتين ساخنتين للتنوع البيولوجي في قلب البيئة الصحراوية الجافة.

ساعدت الاتفاقية ليبيا في حصر أراضيها الرطبة وجمع البيانات المتعلقة بها وإنشاء قاعدة بيانات متخصصة. غير أن التنفيذ لا يزال متأخراً عن الالتزامات المقطوعة.

ممر حيوي استراتيجي للطيور المهاجرة

تقع ليبيا على أحد أهم مسارات هجرة الطيور في العالم، حيث تشكل أول نقطة استقبال لملايين الطيور بعد عبورها البحر الأبيض المتوسط قادمة من أوروبا. وتوفر الأراضي الرطبة محطات استراحة أساسية حيث تتغذى الطيور المهاجرة وترتاح وتتكاثر خلال فصل الشتاء.

وأوضح داود أن "الأراضي الرطبة الليبية تمثل محطة عبور رئيسية للطيور المهاجرة، حيث تعمل كحلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا". وأشار إلى أن هذه الموائل توفر الغذاء والمأوى لأعداد لا تُحصى من الأنواع، وتستضيف مجموعات متنوعة من الحيوانات، وتُستخدم كأماكن للتعشيش خلال فصل الشتاء.

وبحسب تقرير التعداد الدولي للطيور المائية في ليبيا (2019-2023)، تُعد بحيرة فروة قرب الحدود التونسية من الأراضي الرطبة المتوسطية النادرة والحيوية للطيور المهاجرة، كما تدعم أنواعاً متنوعة منها السلاحف البحرية ضخمة الرأس.

قيمة اقتصادية وبيئية متعددة الأوجه

إلى جانب التنوع البيولوجي، تقدم الأراضي الرطبة في ليبيا فوائد اقتصادية ملموسة. فهي توفر المياه والمواد الخام للصناعات المحلية، وتدعم إنتاج الأسماك والزراعة، وتُشكل مصدر رزق للمجتمعات المحلية.

وأكد داود أن "الأراضي الرطبة تلعب دوراً اقتصادياً وبيئياً بالغ الأهمية، فهي توفر المياه والمواد الخام للصناعات، وتدعم إنتاج الأسماك والزراعة، وتُستخدم في بعض دول العالم مثل آسيا لزراعة الأرز". وأضاف أن النباتات التي تنمو في هذه المناطق تساعد على امتصاص الملوثات وتحسين جودة البيئة.

كما تجتذب الأراضي الرطبة هواة مراقبة الطيور والسياح المهتمين بالبيئة، وهو قطاع واعد لا يزال غير مستغل في ليبيا رغم إمكاناته الكبيرة.

تهديدات متزايدة: الزحف العمراني والتلوث والإهمال

رغم قيمتها الكبيرة، تواجه الأراضي الرطبة الليبية ضغوطاً متصاعدة. وحدد داود الزحف الحضري باعتباره التهديد الرئيسي، إلى جانب تصريف مياه الصرف الصحي وإلقاء النفايات الصلبة وأعمال الردم والتجريف. وأكد أن هذه الممارسات أدت إلى تدهور العديد من المواقع وتقليل قيمتها البيئية.

وأشار إلى أن قوانين حماية البيئة موجودة منذ عقود، لكن ضعف التطبيق جعلها غير فعالة إلى حد كبير. وأوضح: "التشريعات الخاصة بحماية الأراضي الرطبة موجودة منذ عقود، لكن ضعف الأجهزة التنفيذية وغياب الرقابة وتراجع الوعي البيئي سمحت باستمرار الانتهاكات".

ثمن التقاعس: خسارة هوية طبيعية وجغرافية

إن خسارة الأراضي الرطبة في ليبيا تعني فقدان مورد طبيعي واستراتيجي مهم، له تداعيات متتالية على القطاعات البيئية والاقتصادية والاجتماعية والسياحية. فهذه المناطق تدعم المجتمعات المحلية وتمثل عنصراً أساسياً في الهوية الطبيعية والجغرافية للبلاد.

وشدد داود على أن "تدمير هذه المناطق يشكل خسارة كبيرة لجزء من هوية ليبيا الطبيعية والجغرافية"، داعياً إلى تفعيل القوانين القائمة وتعزيز الرقابة وإطلاق برامج توعية مجتمعية حول أهمية الحفاظ على الأراضي الرطبة.

ويجمع الخبراء على أن العمل المنسق الذي يجمع بين إنفاذ القانون والمشاركة المجتمعية والتعاون الدولي هو السبيل الوحيد للحفاظ على هذه النظم البيئية التي لا يمكن تعويضها، لتظل مصدر حياة للأجيال القادمة في ليبيا.

— ليبيا برس / مكتب البيئة