دراسة ليبية تكشف جينات مقاومة حرجة للمضادات الحيوية لدى مرضى العناية المركزة في مصراتة

بكتيريا مقاومة للكاربابينيم تُكتشف في وحدة العناية المركزة بمستشفى ليبي

كشفت دراسة علمية جديدة نُشرت في مجلة القلم للعلوم الطبية والتطبيقية عن معدلات مقلقة لوجود جينات ميتالو-بيتا-لاكتاماز بين عزلات بكتيريا الزائفة الزنجارية المجمّعة من مرضى وحدة العناية المركزة في أحد مستشفيات مصراتة. وتسلّط النتائج الضوء على أزمة مقاومة مضادات الميكروبات المتفاقمة التي تستدعي تدخلاً عاجلاً في منظومة الرعاية الصحية الليبية.

تمكّن الباحثون من تحديد الجينات المنتجة لإنزيمات ميتالو-بيتا-لاكتاماز عبر الطرائق المظهرية والجزيئية معاً، مؤكدين أن نسبة كبيرة من العزلات تحمل جينات ترميز مقاومة الكاربابينيم، وهو من فئات المضادات الحيوية الملاذ الأخير لعلاج العدوى البكتيرية الوخيمة.

ما هي جينات ميتالو-بيتا-لاكتاماز ولماذا يُعدّ اكتشافها مهماً؟

إنزيمات ميتالو-بيتا-لاكتاماز هي إنزيمات تُفرزها البكتيريا لتحليل مضادات الكاربابينيم الحيوية وتجعلها عديمة الفاعلية. ويُصنّف الكاربابينيم أقوى عوائل البيتا-لاكتام، ويُستَخدَم عادةً في حالات العدوى المهددة للحياة حين تعجز سائر الأدوية. متى اكتسبت البكتيريا هذه الجينات، تصبح مقاومة لجميع علاجات البيتا-لاكتام المتاحة تقريباً.

تُصنّف منظمة الصحة العالمية بكتيريا الزائفة الزنجارية المقاومة للكاربابينيم ضمن مسببات الأمراض الحرجة ذات الأولوية القصوى، وهو أعلى مستوى تهديد لمقاومة مضادات الميكروبات عالمياً. وفي ليبيا، حيث تعاني البنية التحتية الصحية من ضغوط متراكمة بسبب سنوات عدم الاستقرار، يمثّل بروز هذه الأنماط تحدياً سريرياً بالغ الخطورة.

منهجية مزدوجة تعزز موثوقية النتائج

اعتمد فريق البحث الليبي استراتيجية كشف مزدوجة لضمان دقة النتائج:

  • الطرق المظهرية: اختبارات القرص المجمّعة واختبارات هودج المعدّلة لفحص إنتاج الإنزيمات في العزلات السريرية، وهي طرائق فعالة من حيث التكلفة تناسب المختبرات محدودة الموارد.
  • الطرق الجزيئية: تفاعل البوليميراز المتسلسل أكّد وجود جينات محددة مشفّرة للإنزيمات، ما وفّر دليلاً جينياً قاطعاً على آليات المقاومة.

يُعدّ هذا النهج ذا أهمية خاصة للمستشفيات الليبية. فقد أشارت دراسة صادرة عام 2025 إلى أن طرائق الكشف المظهري العملية يمكنها دعم الفحص الروتيني في المختبرات التي تفتقر إلى أدوات التشخيص الجزيئي باهظة الثمن، وهو واقع شائع في المرافق الطبية الليبية.

ملامح مقاومة المضادات ترسم صورة مقلقة

رسمت الدراسة ملفات تعريف شاملة لمقاومة مضادات الميكروبات في السلالات المعزولة. وكشفت النتائج عن أنماط مقاومة متعددة الأدوية، حيث كانت كثير من العزلات مقاومة لثلاث فئات أو أكثر في آن واحد، ما يحدّ بشدة من خيارات العلاج المتاحة لمرضى العناية المركزة.

يتعرّض مرضى العناية المركزة لمخاطر عدوى مرتفعة بسبب الأجهزة الطبية الغازية وطول مدة الاستشفاء وضعف المناعة. وحين تحمل البكتيريا المُعدية لهم هذه الجينات، يضطر الأطباء إلى اللجوء إلى علاجات مركبة أو أدوية أحدث وأكثر تكلفة غير متوفرة في الصيدليات الليبية.

تحدي مقاومة المضادات الحيوية في السياق الإقليمي

لا تقف ليبيا وحدها في مواجهة هذا التهديد، فقد رُصدت بكتيريا الزائفة الزنجارية المنتجة لهذه الإنزيمات بوتيرة متصاعدة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. غير أن الوضع الليبي يتفاقم بفعل محدودية القدرات المختبرية، واضطراب سلاسل التوريد الصيدلانية، وغياب برامج الإشراف الوطني على مضادات الميكروبات، وممارسات العلاج الذاتي الناجمة عن مبيعات المضادات الحيوية غير المنظّمة.

لماذا يُعدّ هذا البحث محورياً للصحة العامة؟

تمثّل هذه الدراسة إسهاماً حاسماً في منظومة مراقبة الأمراض المعدية في ليبيا. فبتوثيق انتشار هذه الجينات في وحدة العناية المركزة بمصراتة، يوفّر الباحثون بيانات أساسية جوهرية لتصميم بروتوكولات مكافحة عدوى مُستهدفة، وإرشاد قرارات السياسة الوطنية للمضادات الحيوية، وتوجيه الخيارات العلاجية التجريبية، وجذب التعاون الدولي والتمويل لأبحاث مقاومة مضادات الميكروبات في ليبيا.

تواصل مجلة القلم، التي تصدرها جامعة طرابلس، العمل منصة حيوية للبحث الطبي الليبي. وتُثبت دراسات كهذه أن الباحثين الليبيين ينتجون أعمالاً ذات صلة عالمية بشأن أحد أشد التهديدات الصحية إلحاحاً في القرن الحادي والعشرين.

— ليبيا برس / مكتب الصحة