إقليم الوسطى الليبي: مشروع تنموي لمعالجة التهميش أم خطوة تُعقّد المشهد السياسي؟

إعلان رسمي يُثير جدلاً واسعاً في ليبيا

في الثالث عشر من يونيو 2026، تحولت مدينة مصراتة إلى مركز نقاش محتدم على المستويين السياسي والشعبي الليبي، بعد أن أعلنت تسع بلديات ليبية رسمياً عن تأسيس "إقليم المنطقة الوسطى" ككيان إداري واقتصادي جديد. جاء الإعلان ليكشف عن انقسام حاد في المواقف؛ بين مؤيدين يرون فيه استجابة متأخرة لسنوات من التهميش والإهمال، ومعتبرين الخطوة انزلاقاً خطيراً نحو تفكيك وحدة الدولة الليبية التي تعيش أصلاً على المحك في ظل انقسام سياسي مستمر منذ أكثر من عقد.

ما هو إقليم الوسطى ولماذا الآن؟

تجمع مبادرة إقليم الوسطى تسع بلديات تشمل مصراتة وبني وليد وترهونة وزليتن وغيرها تحت مسمى إداري واحد يهدف إلى التنسيق الاقتصادي والإنمائي. ويختلف هذا الكيان المقترح عن الأقاليم التاريخية الثلاثة التي قام عليها دستور الاستقلال عام 1951 (طرابلس وبرقة وفزان)، إذ يُقدم نفسه كمنطقة تنسيق اقتصادي وليس كدولة فيدرالية سياسية. وتتعدد الأسباب وراء هذه الخطوة أبرزها: تردي الأوضاع الاقتصادية، وتركز أدوات صنع القرار المالي في مدن بعينها، وتفشي الفساد في مؤسسات الحكومة في طرابلس، وانهيار قيمة الدينار الليبي، إضافة إلى تعطل الحكم بسبب التنافس بين حكومتين متنافستين — الأولى في الشرق برئاسة أسامة حماد المكلف من مجلس النواب، والثانية في الغرب بقيادة عبد الحميد الدبيبة الذي يرفض تسليم السلطة إلا عبر انتخابات.

  • تسع بلديات انضمت رسمياً إلى مبادرة إقليم الوسطى
  • صدر الإعلان من مدينة مصراتة في 13 يونيو 2026
  • القانون الليبي رقم 59 لسنة 2012 يجيز تكوين أقاليم اقتصادية من المحافظات
  • لم يُشرع أي قانون لإنشاء محافظات منذ إقرار قانون الإدارة المحلية
  • ليبيا تعيش تحت ظل حكومتين متنافستين منذ عام 2022
  • الانتخابات الرئاسية المقررة في 24 ديسمبر 2021 لم تُعقد حتى اليوم

المعارضة: البرلمان والخبراء القانونيون يحذرون

حذّر عضو مجلس النواب الليبي عبد المنعم العرفي من الأبعاد السياسية للمشروع، معتبراً أنه "يحمل أهدافاً تتجاوز الطابع الخدمي المعلن ويهدف إلى استحداث فاعل سياسي جديد يسعى لفرض معادلات تفاوضية جديدة خارج التوافقات الوطنية والمؤسسات الشرعية القائمة." وأضاف أن أي مساس بوحدة الدولة أو إعادة تشكيل بنيتها الإدارية خارج الأطر الدستورية مرفوض نيابياً وشعبياً، مشيراً إلى أن الأقاليم الثلاثة التاريخية تمثل أساساً للوحدة الوطنية حافظ على تماسك البلاد لعقود طويلة.

من جانبه، أوضح الأكاديمي الليبي وأستاذ القانون الخاص الدكتور راقي المسماري أن القانون رقم 59 لسنة 2012 حدد التقسيم الإداري للدولة عبر ثلاث وحدات: المحلة والبلدية والمحافظة، وأن المادة 44 نصت على إنشاء أقاليم اقتصادية تتكون من محافظات. لكن المسماري أكد أن ليبيا لا تضم أي محافظة قائمة قانونياً نظراً لعدم صدور تشريع ينظم إنشاؤها منذ إقرار القانون، مما يجعل الحديث عن تأسيس إقليم اقتصادي "غير مستند إلى أساس قانوني قائم وفقاً للنصوص التشريعية النافذة."

المؤيدون: التهميش والواقع الاقتصادي يفرضان أنفسهما

يرى المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي أن المبادرة جاءت استجابة للإهمال الاقتصادي. وقال لسبوتنيك عربي إن "الظروف الصعبة والفساد في طرابلس أسهمت في تفاقم التهميش." وأضاف أن البلدات لجأت للمبادرة بعد فقدان الثقة بالمؤسسات المركزية.

وأكد العبدلي أن الإطار القانوني لإدارة المحلية في ليبيا يجيز مثل هذه الخطوات، مشيراً إلى أن القانون رقم 59 لسنة 2012 يسمح للمحافظات والبلديات بتكوين أقاليم اقتصادية. ورغم إقراره بوجود مخاوف مشروعة، شدد على أن "الخطورة الحقيقية للأقاليم تكمن في حال تأسيسها لأغراض سياسية أو عسكرية، أما إذا كانت ذات أهداف اقتصادية وتنموية واضحة فإن تقييمها يجب أن يستند إلى نتائجها ومدى قدرتها على خدمة المواطنين."

لماذا يجب أن يهتم كل ليبي؟

بالنسبة للمواطن الليبي، نقاش إقليم الوسطى يتعلق بقدرة المدن خارج طرابلس وبنغازي على الحصول على الخدمات والتوزيع العادل للموارد. فشباب المناطق الوسطى يهاجرون داخلياً بحثاً عن فرص عمل، والهيكل الحكومي المزدوج يعني إنفاقاً مضاعفاً على مؤسسات متوازية. وسواء أيدت المبادرة أم عارضتها، فإن ظهورها يكشف عن أزمة بنيوية: فشل الحكم المركزي في تحقيق تنمية عادلة.

نحو حوار وطني يتجاوز التخوين

يتطلب المسار الأمامي من المؤسسات الليبية المتنافسة تجاوز خطاب التشكيك والتخوين المتبادل، والانخراط بشكل جوهري مع المشكلات الحقيقية التي تغذي المبادرات الإقليمية. فإنجاز قانون انتخابي وعقد الانتخابات المؤجلة وإصلاح التقسيم الإداري عبر القنوات القانونية المعتبرة كفيل بمعالجة الأسباب الجذرية وراء مطالب من نوع إقليم الوسطى. يستحق الليبيون حكماً يخدم جميع المناطق بعدالة، وحواراً وطنياً يوجه الطموحات الإقليمية نحو بناء دولة موحدة لا نحو التفتيت والانقسام.

— ليبرابريس / مكتب السياسة