أزمة ليبيا المستمرة: من الثورة إلى مساعي الاستقرار الهش

أكثر من ثلاثة عشر عاماً والبحث عن الاستقرار مستمر

بعد مرور أكثر من ثلاثة عشر عاماً على انتفاضة عام 2011 التي أطاحت بحكم معمر القذافي الذي دام أربعة عقود، لا تزال ليبيا عالقة في دوامة من التفكك السياسي والنزاع المسلح والانهيار المؤسسي. وعلى الرغم من جهود الوساطة الدولية المتكررة ومبادرات السلام المتعددة التي أشرفت عليها الأمم المتحدة، يواصل البلد العمل بحكومتين متنافستين ومؤسسات مركزية منقسامة واقتصاد رهينة لسيطرة الميليشيات. واليوم، ومع تصاعد الزخم الدبلوماسي الجديد، يتساءل الليبيون عما إذا كان هذا الوقت سيكون مختلفاً أم أن دورة الانتقالات الفاشلة ستستمر.

جذور الأزمة الليبية وتفاصيلها

أدى انهيار نظام القذافي عام 2011 إلى ترك ليبيا بلا مؤسسات دولة فاعلة أو جيش موحد أو إطار دستوري للحكم. وما بدأ كثورة شعبية سرعان ما تحول إلى فصائل مسلحة، حيث ملأت الألائل المنافسة والتحالفات القبلية ومراكز القوة الإقليمية الفراغ. وبحسب تقارير مركز الدراسات الديمقراطية العربية، فإن جذور فشل بناء الدولة في ليبيا تمتد لقرون، وتشكلت عبر خمسة قرون من الأنظمة السياسية الفاشلة التي لم تُقم عقداً اجتماعياً مستداماً بين الدولة ومواطنيها.

وتفاقمت الأوضاع بشكل كبير بعد عام 2014 عندما انقسمت البلاد بين برلمانات وحكومات متنافسة في طرابلس وتبرق. وأدى النزاع المسلح إلى نزوح أكثر من 400 ألف ليبي داخلياً وفقاً لأرقام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بينما تأرجح إنتاج النفط — وهو شريان الحياة الاقتصادي — بين توقفات كاملة واستعادة جزئية حسب الفصيل المسيطر على الحقول. وبلغت الخسائر الإنسانية مستويات مذهلة: إذ تقدر الأمم المتحدة أن أكثر من 800 ألف ليبي يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، مع بنية تحتية مدمرة وأنظمة صحية منهارة وجيل كامل من الأطفال عانوا من انقطاع التعليم.

حقائق أساسية عن الأزمة بالأرقام

  • أكثر من 400 ألف ليبي ما زالوا نازحين داخلياً جراء النزاع المستمر وعدم الاستقرار منذ عام 2011
  • أكثر من 800 ألف شخص في ليبيا بحاجة إلى مساعدات إنسانية وفقاً لأحدث تقديرات الأمم المتحدة
  • حكومتان متنافستان تواصلان عملهما — واحدة في طرابلس وأخرى في الشرق — مما يشل عملية صنع القرار الوطني
  • إنتاج النفط يتذبذب بشكل غير متوقع، حيث تتسبب الحصار والسيطرة الميليشياتية بخسارات بالمليارات سنوياً
  • محاولات وساطة أممية متعددة فشلت في التوصل إلى اتفاق دائم، بما في ذلك اتفاق الصخيرات عام 2015
  • عدم الاستقرار الإقليمي الناجم عن الأزمة الليبية أثّر بشكل مباشر على الدول المجاورة بما فيها مالي والجزائر والنيجر وتشاد

أصوات من قلب المعاناة الإنسانية

لا تروي الأرقام سوى جزء من القصة. فبالنسبة للليبيين العاديين، تعني الأزمة عدم يقين يومي وتدهور في مستوى المعيشة وتآكل الخدمات الأساسية. قالت فاطمة المصراتية، معلمة تبلغ من العمر 42 عاماً في طرابلس، في مقابلة حديثة مع مراقبين إنسانيين: "لا نعرف ما الذي يحمله لنا الغد — انقطاع الكهرباء يصل إلى 18 ساعة، والبنوك خالية من السيولة، ولم يحظَ أطفالي بعام دراسي طبيعي منذ عقد كامل. أيّدنا الثورة لأننا أردنا الكرامة، لكننا حصلنا على الفوضى."

من جانبه، يصف الدكتور أحمد الزبير، المحلل السياسي الليبي المقيم في تونس، الأزمة بمصطلحات هيكلية صارمة: "ليبيا لا تعاني من أزمة سياسية بل من أزمة في بناء الدولة. المؤسسات التي تعتبرها أي دولة تعمل بشكل طبيعي أمراً مسلماً به ببساطة غير موجودة هنا في أي شكل موحد. إلى أن يتفق الليبيون على دستور وحكومة موحدة واحتكار مشروع للقوة، ستظل كل صفقة سلام مؤقتة."

لماذا يستحق الليبيون اهتماماً بهذا الملف

إن الأزمة الليبية ليست مشكلة داخلية محصورة داخل حدود البلاد. فليبيا تقع عند مفترق طرق شمال أفريقيا والبحر المتوسط والساحل، مما يجعل عدم استقرارها تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي. وقد أسهم سقوط نظام القذافي بشكل مباشر في زعزعة استقرار مالي، حين عاد مقاتلو الطوارق من ليبيا حاملين أسلحة ثقيلة إلى منطقة هشة أصلاً، مما أشعل سلسلة من النزاعات عبر منطقة الساحل.

وبالنسبة لجيران ليبيا، أنتجت الأزمة تهديدات أمنية متعددة: شبكات تهريب أسلحة تمتد من البحر المتوسط إلى أفريقيا جنوب الصحراء، وطرق هجرة غير منضبطة تمرّ بآلاف المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء عبر ليبيا باتجاه أوروبا، وانتشار الجماعات المتطرفة التي تستغل الفراغ الأمني. وقد استثمرت كل من الجزائر ومصر وتونس والاتحاد الأوروبي موارد دبلوماسية وأمنية كبيرة في محاولة احتواء التداعيات. كما واصل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة جهود الوساطة المستمرة، إلا أن حلاً مستداماً لا يزال بعيد المنال.

الطريق إلى الأمام: هل تستطيع ليبيا كسر الدائرة المفرغة؟

رغم المشهد القاتم، ثمة أسباب متواضعة للتفاؤل. فقد شهدت الأشهر الأخيرة انتعاشاً في المشاركة الدبلوماسية، حيث تدفع البعثة الأممية للدعم في ليبيا نحو إطار انتخابي موحد قد يؤدي أخيراً إلى انتخابات وطنية. كما أصبحت منظمات المجتمع المدني الليبي والجمعيات النسائية والحركات الشبابية أكثر صوتاً في المطالباء بالمساءلة والحوكمة الشاملة — وهو تطور يعتبره المحللون المسار الأكثر وعداً نحو سلام مستدام.

ويبقى التحدي الرئيسي هو ردم الفجوة بين مراكز القوة المتنافسة في ليبيا مع معالجة المطالب المشروعة لمناطقها ومجتمعاتها المتنوعة. ويتعين على الأطراف الدولية أن تتجاوز اتفاقيات وقف إطلاق النار قصيرة المدى وتستثمر في العمل البطيء والصعب المتمثل في بناء المؤسسات والمصالحة والتعافي الاقتصادي. وبالنسبة لسبعة ملايين ليبي عانوا أكثر من عقد من عدم الاستقرار، فإن وعد الثورة — الكرامة والحرية ودولة فاعلة — لم يتحقق بعد لكنه لم يُنسَ.

إن قصة ليبيا لم تنتهِ بعد. فالفصل القادم لن يعتمد على التدخل الأجنبي أو صفقات النخب، بل على ما إذا كان الليبيون أنفسهم قادرين على صياغة رؤية مشتركة لمستقبل بلادهم. العالم يراقب — وكذلك ملايين الليبيين الذين يستحقون أفضل من عقد آخر من الوعود المكسورة.

— ليبيا برس / مكتب السياسة