سباق رئاسة المجلس الأعلى للدولة في ليبيا: انقسام التيارات يحدد بوصلة السلطة

أربعة مرشحين في انتخابات مصيرية تعيد تشكيل المشهد السياسي الليبي

تتصاعد حدة التكهنات في الأوساط السياسية الليبية مع اقتراب موعد انتخابات رئاسة المجلس الأعلى للدولة، حيث تتجه الأنظار نحو هوية الشخصية التي ستتولى القيادة في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد. لقد تحول هذا الاستحقاق المؤسسي من مجرد إجراء روتيني إلى معركة حقيقية بين تيارات فكرية متنافسة تسعى كل منها لفرض رؤيتها على المسار السياسي في ليبيا.

ويؤكد المراقبون أن نتائج هذا الاقتراع ستلعب دوراً محورياً في تحديد مسارات الحل السياسي، نظراً للصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها المجلس بصفته شريكاً أساسياً في صياغة القوانين الانتخابية واتخاذ القرارات المصيرية. ويشير المحللون إلى أن المجلس الأعلى للدولة يقف اليوم على مفترق طرق، في ظل انقسام حاد في الرؤى تجاه المبادرات الدولية والتحالفات المحلية التي تحاول إعادة تشكيل خريطة النفوذ في ليبيا.

المتنافسون الأربعة وميزان القوى

تكشف القراءات السياسية أن المنافسة تنحصر بين أربعة مرشحين بارزين، يتقدمهم الرئيس الحالي محمد تكالة ورئيس المجلس الأسبق عبد الرحمن السويحلي، إلى جانب كل من بلقاسم قزيط وصلاح ميتو. يمثل كل مرشح تياراً سياسياً مختلفاً، مما يحول صناديق الاقتراع إلى أداة لقياس حجم النفوذ الفعلي لكل فصيل في ظل التجاذبات المستمرة بين القوى السياسية في طرابلس وشرق البلاد.

لقد باتت الديناميكيات الداخلية للمجلس أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالمبادرات السياسية الأخيرة، ومنها تلك التي طُرحت في الأشهر الماضية، أسهمت في إعادة خلط الأوراق ودفعت بعض الأطراف إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدداً تجاه حلفاء الأمس، مما يعزز فرضية الاستقطاب الحاد داخل المجلس.

الانقسامات الداخلية والأصوات المتأرجحة

أكد محمد معزب، رئيس اللجنة السياسية بالمجلس، أن الانقسام الفكري داخل المجلس بات واضحاً ولا لبس فيه. يمثل تيار الدولة المدنية الأغلبية التي ترفض أي تفاهمات قد تمنح خصوم السلطة في الشرق نفوذاً أكبر. لكن معزب أشار إلى وجود كتلة متأرجحة من الأعضاء قد ترجح كفة تيار على آخر بناء على مصالح مناطقية أو شخصية، مما يجعل التنبؤ بالنتيجة النهائية أمراً بالغ الصعوبة حتى لحظة التصويت.

تعكس هذه الديناميكية المتقلبة الانقسام الأوسع للطبقة السياسية الليبية، حيث تتنافس الولاءات المؤسسية غالباً مع الانتماءات الإقليمية والروابط القبلية والطموحات الشخصية. أنشئ المجلس الأعلى للدولة بموجب الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015 ليكون هيئة استشارية وتشريعية مكملة لمجلس النواب، لكنه أصيب مراراً بالشلل بسبب الانقسامات نفسها التي يعاني منها المشهد السياسي الأوسع في البلاد.

رهانات المستقبل السياسي في ليبيا

شدد أعضاء المجلس على أن الوضع الراهن يتطلب كسر دائرة الجمود، محذرين من أن استمرار الانقسام يزيد الأزمات الاقتصادية والأمنية عمقاً، ويعاني منها المواطن الليبي يومياً. سيرث الرئيس المقبل مجلساً يواجه ضغوطاً دولية متزايدة للحد من دور المؤسسات التقليدية والاعتماد على قوى الأمر الواقع لفرض حلول سياسية.

تدعو بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا باستمرار إلى وضع أطر حوكمة موحدة، لكن جهود الوساطة الدولية تكافح لاكتساب الزخم وسط الأجندات المتنافسة للأطراف المحلية. وقد أسهم الجمود السياسي في تفاقم الصعوبات الاقتصادية، بما في ذلك عدم استقرار العملة ونقص الوقود وتأخر إعادة الإعمار في المدن المتضررة من النزاعات السابقة.

ماذا تعني نتائج الانتخابات؟

سترسل نتيجة هذا السباق على القيادة إشارات تتجاوز قاعة المجلس. ففوز تيار الدولة المدنية يعني تعزيز التحالفات القائمة واستمرار التوجهات السياسية الحالية، في حين أن التحول نحو تيارات بديلة قد يفتح باب الحوار مع المؤسسات في الشرق بشروط جديدة. تراقب الجهات الإقليمية، بما في ذلك مصر وتركيا والإمارات العربية المتحدة، الانتخابات عن كثب، إذ تؤثر قيادة المجلس على توازن القوى في المصفوفة المعقدة من المصالح المحلية والدولية في ليبيا.

يخلص المراقبون إلى أن من سيتولى الرئاسة سيواجه تحديات هائلة — بدءاً من إدارة الصراعات الداخلية في المجلس، وصولاً إلى معالجة الظروف المعيشية المتردية للمواطنين الليبيين والاستجابة للضغوط الخارجية التي لا تظهر أي بوادر للتراجع.

— ليبيا برس / مكتب الأمن