الانتخابات الليبية 2027: خارطة طريق تاريخية لإنهاء الانقسام

اتفاق غير مسبوق يكسر جموداً سياسياً دام أعواماً

توصّلت المؤسسات السياسية الليبية الرئيسية إلى اتفاق تاريخي يقضي بتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في عام 2027، في ما يُعدّ أبرز اختراق يشهده المسار السياسي الليبي منذ أعوام طويلة. وأفادت قناة العربي التلفزيونية بأن هذا الإعلان يُمثّل إشارة قوية إلى احتمال إنهاء أكثر من عقد من الانقسام المؤسسي الذي أبقى هذا البلد العربي الشمالي مُقسّماً بين حكومتين متنافستين ومجلسين تشريعيين متوازيين. ويأتي هذا التطوّر في ظلّ تصاعد الضغوط الدولية على الأطراف الليبية لتوحيد المشهد السياسي المُتفتّت.

سياق الأزمة: 14 عاماً من الانقسام المؤسسي

تعيش ليبيا تحت وطأة الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط النظام السابق في عام 2011. ولا تزال البلاد منقسمة بين حكومة الوحدة الوطنية المُتّخذة من طرابلو مقراً لها وسلطات موازية في الشرق، مما أسفر عن مؤسسات متوازية شلّت منظومة الحكم بالكامل. وعقد مجلس الأمن الدولي جلسة في التاسع عشر من ديسمبر 2025 لدراسة آخر المستجدات على المسار السياسي الليبي، مؤكداً خطورة الانقسام المُستمر. وعلى الرغم من جهود الوساطة الدولية المتعدّدة، بما فيها جولات الحوار المتكرّرة التي تولّتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلا أن التقدّم كان يتعثّر مراراً بسبب خلافات حول القوانين الانتخابية وأهلية المرشّحين والإطار الدستوري اللازم لإجراء انتخابات نزيهة.

حقائق أساسية حول خارطة الطريق الجديدة

  • تستهدف خارطة الطريق إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة في عام 2027 عبر جميع التراب الليبي.
  • جرى التوصّل إلى الاتفاق بين رؤساء المؤسسات السياسية الرئيسية في ليبيا، ممثّلةً الفصيلين الغربي والشرقي.
  • تهدف الخارطة إلى إنهاء المرحلة الانتقالية التي بدأت في عام 2011 وامتدّت لأكثر من 14 عاماً من الحكم المؤقّت.
  • يواصل مجلس الأمن الدولي رصد التطورات، حيث عقد جلسة مُخصّصة في ديسمبر 2025 لتقييم مدى التقدّم المُحرز.
  • لا يزال دور الإسلام السياسي في ليبيا عاملاً حاسماً، إذ يلاحظ المحلّلون تحوّلات في نفوذ الفصائل المنحازة للإسلاميين ضمن البيئة السياسية الراهنة.
  • يتناول الاتفاق الخلافات المُستعصية حول الأساس الدستوري للانتخابات، التي أفشلت سابقًا محاولتين سابقتين لإجراء استفتاءات وطنية.

أصوات من الداخل: تفاؤل حذر يُهيمن على المشهد

يُبدي المراقبون الميدانيون تفاؤلاً حذراً تُشوّبه ذكريات اتفاقيات سابقة باءت بالفشل. وقال الدكتور عبد الرحمن الشويهدي، المحلّل السياسي المتابع للمفاوضات، في تصريح لوسائل إعلام إقليمية: "سمع الشعب الليبي وعودًا بالانتخابات من قبل، لكن ما يُميّز هذه اللحظة هو أن جميع رؤساء المؤسسات الرئيسية وقّعت على وثيقة واحدة. التحدي الآن هو التنفيذ — تحويل هذا الإجماع إلى تشريع انتخابي فعلي وضمان ظروف أمنية تُتيح تصويتاً حراً ونزيهاً في جميع أنحاء البلاد." وتثقل كلفة الاستقرار المُطوّل كاهل المواطنين الليبيين العاديين، الذين لا يزالون يواجهون تدهور الخدمات العامة وتقلّبات العملة وانعدام الأمن رغم الثروة النفطية الهائلة التي تتمتّع بها البلاد.

لماذا يهمّ هذا كل مواطن ليبي؟

يؤثّر المسار السياسي في ليبيا بشكل مباشر على الحياة اليومية لنحو 7 ملايين مواطن. فمن شأن انتقال ناجح إلى حكم منتخب أن يفتح الباب أمام مساعدات إعادة الإعمار الدولية ويُثبّت سعر صرف الدينار الليبي ويُعيد الخدمات الأساسية التي تدهورت خلال أعوام الانقسام. وبالنسبة للشباب الليبي الذي يُشكّل أكثر من 60% من السكان، تُمثّل الانتخابات النزيهة أول فرصة حقيقية للمشاركة في رسم مستقبل بلادهم. كما يتابع مجتمع الأعمال المحلي والأجنبي هذه التطورات عن كثب، إذ يُعدّ الاستقرار السياسي شرطاً أساسياً للاستثمار المطلوب لإعادة بناء البنية التحتية وتنويع الاقتصاد المُعتمد على النفط. وتملك دول الجوار الإقليمي، بما فيها مصر وتونس والجزائر، مصلحة مباشرة في استقرار ليبيا نظراً للمخاوف الأمنية العابرة للحدود والترابطات الاقتصادية المُشتركة.

الخطوات المقبلة: أشهر حاسمة تفصلنا عن الانتخابات

يتوقف نجاح خارطة الطريق على التزام مُستدام من جميع الأطراف ودعم دولي قوي. وستكون الأشهر المُقبلة حاسمة يعمل خلالها صائغو التشريعات على إنهاء القانون الانتخابي وتشكيل هيئة انتخابية مستقلة وتوفير الإطار الأمني اللازم للتصويت على مستوى البلاد. ومن المتوقّع أن يضطلع المجتمع الدولي، بقيادة الأمم المتحدة والجهات الإقليمية الفاعلة، بدور رقابي محوري. وبالنسبة لليبيا، فإن هدف 2027 لا يمثّل مجرد تاريخ على التقويم، بل فرصة حقيقية لإغلاق فصل الانقسام وبناء دولة موحّدة ديمقراطية. والعالم يُراقب — وكذلك ملايين الليبيين الذين يستحقون مستقبلاً تسوده الاستقرار والازدهار وتقرير المصير.

— ليبيا برس / مكتب السياسة