المجلس الأعلى للقضاء يفتح تحقيقًا في تسريب فيديو تنفيذ عقوبة حد الزنا بسبها

فيديو الجلد يثير أزمة قضائية والنيابة العامة تحقق في ملابسات التصوير والنشر

أعلن المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا فتح تحقيق رسمي في تصوير ونشر مقطع فيديو يوثق تنفيذ عقوبة حد الزنا في مدينة سبها جنوب البلاد، وذلك بعد تداول المقطع على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويظهر الفيديو المتداول على موقع فيسبوك أحد عناصر الشرطة القضائية وهو ينفذ عقوبة الجلد بحق امرأة، وذلك تنفيذًا لحكم قضائي بات صادر عن إحدى دوائر الجنايات بمحكمة استئناف سبها، والمتعلق بتطبيق العقوبة المنصوص عليها في القانون رقم (70) لسنة 1973 بشأن إقامة حد الزنا.

تكليف التفتيش القضائي بالتحقيق

أكد المجلس الأعلى للقضاء أنه كلّف إدارة التفتيش على الهيئات القضائية بالتحقيق في ملابسات تسجيل ونشر المقطع، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية بحق كل من تثبت مسؤوليته. وأوضح المجلس، في بيان صادر الخميس عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، أن رئيس المجلس المستشار مفتاح القوي وأعضاء المجلس تابعوا ما جرى تداوله من مقاطع مصورة لتنفيذ الحكم.

وشدد البيان على أن الأحكام القضائية النهائية واجبة التنفيذ متى استوفت إجراءاتها القانونية، غير أن تنفيذها يجب أن يتم وفق الضوابط التي كفلها القانون، بما يحفظ كرامة الإنسان ويصون هيبة القضاء. وأكد المجلس أن الهدف من التحقيق هو تحديد مدى الالتزام بالإجراءات القانونية المنظمة لتنفيذ الأحكام.

الموقف الشرعي والقانوني

أوضح المجلس الأعلى للقضاء أن الشريعة الإسلامية جعلت إقامة الحدود وسيلة لتحقيق العدل والزجر وصيانة المجتمع، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تصوير تنفيذ الأحكام القضائية ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي «ليس من مقتضيات تنفيذها ولا من مقاصد الشريعة».

ويُظهر هذا الموقف حرص أعلى سلطة قضائية في ليبيا على الموازنة بين تأكيد شرعية الأحكام الشرعية ورفض تحويل العقوبات إلى مشاهد علنية تتنافى مع كرامة الإنسان. ويؤكد خبراء قانونيون أن تصوير عمليات التنفيذ يخالف الإجراءات القانونية المنظمة كما يتعارض مع المقاصد العليا للشريعة التي تضع الكرامة الإنسانية في صدارة أولوياتها.

تداعيات القضية ومخاوف أوسع

يأتي هذا التحقيق في وقت تشهد فيه ليبيا جدلاً متزايدًا حول ممارسات إنفاذ الأحكام القضائية. وستعمل إدارة التفتيش على الهيئات القضائية على التحقق من اتباع البروتوكولات القانونية السليمة أثناء التنفيذ، بما في ذلك ما إذا كان التصوير قد تم بتفويض من أي جهة مختصة.

ودعا المجلس الأعلى للقضاء جميع الجهات المختصة إلى الالتزام بالضوابط القانونية المنظمة لتنفيذ الأحكام، والامتناع عن تصوير إجراءات التنفيذ أو نشرها، حفاظًا على هيبة القضاء وصونًا لكرامة الإنسان.

وتسلط القضية الضوء على المشهد القانوني المعقّد في ليبيا، حيث لا يزال القانون رقم (70) لسنة 1973، الذي صدر في العهد السابق، معمولاً به ومطبقًا من قبل بعض المحاكم في غياب قانون عقوبات عصري وموحد. وتطالب منظمات حقوق الإنسان دوليًا ومحليًا بمراجعة هذا القانون، مشيرة إلى ضرورة توافقه مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

القضاء الليبي بين التوحيد والانقسام

تأتي تطورات الخميس في وقت تسعى فيه المؤسسات القضائية الليبية إلى تأكيد هيبتها وسلطتها في ظل استمرار الانقسام السياسي. ويتخذ المجلس الأعلى للقضاء من مدينة بنغازي مقرًا له، بصفته أعلى سلطة إدارية تشرف على المنظومة القضائية في ليبيا، ويسعى بشكل متزايد إلى توحيد الإجراءات القضائية في جميع أنحاء البلاد.

ويبقى السؤال الجوهري: من الذي أذن بالتصوير، ومن الذي قام بنشر المقطع على وسائل التواصل الاجتماعي؟ ويشير مراقبون قانونيون إلى أن كون التصوير تم من قبل عناصر الشرطة القضائية أو موظفي المحكمة سيمثل خرقًا خطيرًا لآداب المهنة، وقد يرقى إلى جريمة جنائية يعاقب عليها القانون الليبي.

وأكد المجلس أن نتائج التحقيق سترفع لاتخاذ الإجراءات المناسبة، والتي قد تشمل عقوبات تأديبية بحق أي مسؤول قضائي أو أمني تثبت مخالفته للإجراءات القانونية المنظمة.

— ليبيا برس / مكتب الأخبار