محفوظ: الخلاف بين أعضاء المجلس الرئاسي أصبح سمة متكررة

تفاقم الانقسامات الداخلية في المجلس الرئاسي يعمق أزمة الاستقرار السياسي والانهيار المؤسسي في ليبيا

لا يزال المشهد السياسي الليبي يعاني من حالة من عدم الاستقرار المزمن، حيث حذر المحلل السياسي محفوظ من أن الخلافات بين أعضاء المجلس الرئاسي لم تعد مجرد نزاعات عابرة أو خلافات في وجهات النظر، بل تحولت إلى "سمة متكررة" تطبع الأداء اليومي للمجلس وتعيق بشكل كامل قدرته على اتخاذ القرارات السيادية.

يأتي هذا التوتر الداخلي في توقيت حساس للغاية بالنسبة للدولة، بينما تنتظر ليبيا من المجلس الرئاسي قيادة المرحلة نحو استقرار مؤسسي وحكم موحد. إلا أن غياب التوافق الحقيقي بين الأعضاء خلق فراغاً قيادياً واضحاً، مما أدى إلى تعطيل أي تقدم ملموس في الملفات الوطنية الكبرى، وهو ما يضع البلاد في حالة من الركود السياسي.

عيوب هيكلية وأزمة غموض قانوني في إدارة الدولة

وفي تصريحات مفصلة أدلى بها لقناة "سلام"، أكد محفوظ أن الهيكلية الحالية للمجلس غير منطقية وتفتقر إلى السند القانوني السليم في شكلها الراهن. وأشار إلى وجود خلل بنيوي يتمثل في تبعية تشكيلات وأجهزة أمنية مباشرة لرئاسة الوزراء أو المجلس الرئاسي، وهو ما يمثل مخالفة صريحة للأعراف والقوانين المنظمة للإدارة العامة في الدولة.

هذا التداخل في الصلاحيات أدى إلى حالة من الارتباك الشديد داخل التسلسل الإداري للدولة. ومع انقسام القيادة العليا بناءً على مصالح شخصية أو فئوية، تتضخم هذه الثغرات البنيوية، مما ينتج عنه صدور توجيهات متناقضة وغياب تام للمساءلة داخل المؤسسات السيادية، الأمر الذي ترك الدولة الليبية في حالة من الشلل التشغيلي.

أزمة رئيس المخابرات: إنذار صارخ بانهيار التوافق

وقد تجلت هشاشة وحدة المجلس بشكل صارخ مؤخراً عقب قرار إقالة رئيس جهاز المخابرات العامة المثير للجدل. ووفقاً لتقارير قناة "العربية"، فإن هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء إداري روتيني، بل أشعلت مواجهة سياسية حادة وفجرت خلافاً عميقاً داخل أروقة المجلس الرئاسي، مما أثبت أن المجلس بعيد كل البعد عن كونه جبهة موحدة.

هذه التداعيات دفعت البرلمان الليبي للتدخل على الفور وبشكل عاجل، محذراً من خطورة إقحام الأجهزة الأمنية والسيادية في التجاذبات السياسية الضيقة. ويؤكد هذا الحادث توجهاً خطيراً يتمثل في تحويل أدوات الاستخبارات والأمن إلى مجرد "بيادق" في صراعات النفوذ السياسي بدلاً من كونها درعاً لحماية الأمن القومي.

جذور الأزمة: من اتفاق السراج إلى الواقع المأزوم الحالي

من جانبه، يرى خبراء قانونيون، ومن بينهم المحامي عمر بن يونس، أن الأزمة الحالية ليست مجرد حدث عارض، بل هي نتيجة طبيعية لإخفاقات مؤسسية متراكمة منذ اتفاق السراج. فالعيوب المنهجية التي بُني عليها الترتيب السياسي الحالي جعلت المجلس عرضة للتجزئة والانهيار تحت ضغط المصالح الخارجية والداخلية.

إن صراع النفوذ في طرابلس لا يتعلق بالأفراد بقدر ما يتعلق بالمصالح المتضاربة للفصائل القوية التي يمثلها هؤلاء الأعضاء. وبدون إجراء إصلاح جذري وشامل للبنية المؤسسية، فإن هذه الدورة من الصراعات والخلافات ستظل تتكرر دون نهاية، لأن النظام الحالي يحفز الانقسام على حساب التعاون الوطني.

تداعيات الانقسام على المواطن ومستقبل الاستقرار الوطني

إن استمرار هذه النزاعات الداخلية له انعكاسات مباشرة وخطيرة على حياة المواطن الليبي البسيط. فالمجلس المنقسم لا يمكنه التفاوض بقوة مع الشركاء الدوليين، ولا يمكنه تنفيذ الإصلاحات الضرورية لاستقرار قطاعي الأمن والاقتصاد، خاصة في ظل تقلبات العملة وأزمات المعيشة.

وطالما ظل المجلس الرئاسي ساحة لتصفية الحسابات وحروب الفصائل بدلاً من أن يكون رمزاً للوحدة الوطنية، فإن حلم الوصول إلى دولة ديمقراطية مستقرة سيظل بعيد المنال. إن الحاجة إلى استراتيجية قيادة متماسكة وموحدة — تقوم على المصلحة الوطنية لا المصلحة الفئوية — باتت اليوم ضرورة قصوى من أجل بقاء الدولة.

— ليبيا برس / مكتب السياسة