الزلازل الكبرى تسبب غرق الأراضي لعقود في جنوب شرق آسيا.. دراسة جديدة تكشف المفاجأة

بحث علمي يربط بين الهزات القوية والهبوط الساحلي طويل المدى ويؤثر على توقعات مستوى سطح البحر

كشفت دراسة رائدة أجراها علماء الأرض في جامعة نانيانغ التكنولوجية بسنغافورة أن الزلازل الكبرى في جنوب شرق آسيا يمكن أن تؤدي إلى غرق الأراضي لفترات طويلة تمتد لسنوات أو حتى عقود بعد أن تهدأ الهزات الأولية. النتائج، التي نُشرت في منتصف يوليو 2026، تحمل آثاراً كبيرة على توقعات مستوى سطح البحر والتخطيط الساحلي في المنطقة، ولها دلالات مهمة على مناطق أخرى تشهد نشاطاً زلزالياً مثل حوض البحر الأبيض المتوسط.

قاد فريق البحث الدولي البروفيسورة إيما هيل والباحثة غريس نغ من مرصد الأرض في سنغافورة، حيث حللوا ما يصل إلى عقدين من بيانات الحركة الأرضية من سنغافورة وماليزيا وتايلاند. ويوضح عملهم أن الزلازل الكبيرة تؤدي إلى عمليات جيولوجية بطيئة في أعماق الأرض، تستمر في إعادة تشكيل المناظر الطبيعية الساحلية لفترة طويلة بعد توقف الاهتزاز.

كيف تؤدي الزلازل إلى هبوط الأرض على المدى الطويل؟

ركزت الدراسة على حدثين زلزاليين رئيسيين: زلزال سومطرة-أندامان المدمر بقوة 9.2 درجات في ديسمبر 2004، وزلازل حوض وارتون عام 2012. ووجد الباحثون أن هذه الهزات القوية أدت إلى تشويه طبقة الوشاح الأرضي الضعيفة بطيئة التدفق أسفل المنطقة، مما تسبب في استمرار حركة الأرض فوقها وهبوطها لسنوات بعد الزلزال.

ووفقاً للبحث، تسبب زلزال سومطرة عام 2004 في هبوط الأراضي في سنغافورة بمعدلات تصل إلى 2.2 ملم سنوياً بين ديسمبر 2004 وأبريل 2012. ورغم أن هذا المعدل قد يبدو ضئيلاً، إلا أن التأثير التراكمي على مدى عقود يؤثر بشكل كبير على حسابات مستوى سطح البحر النسبية للمناطق الساحلية المنخفضة.

وقالت البروفيسورة إيما هيل، القائمة بأعمال مدير مرصد الأرض في سنغافورة: "تظهر دراستنا الجديدة أن غرق الأرض بعد الزلزال يعد عاملاً مهماً في التغير النسبي لمستوى سطح البحر الإقليمي". وتتحدى هذه النتائج النماذج التقليدية لمستوى سطح البحر التي تأخذ في الاعتبار فقط ارتفاع درجة حرارة المحيطات وذوبان الغطاء الجليدي.

الآثار المترتبة على تقييم المخاطر الساحلية

توفر الدراسة بيانات حاسمة لتحسين نماذج المخاطر الساحلية في جنوب شرق آسيا، حيث يعيش مئات الملايين من الناس في المناطق الساحلية المنخفضة. ومن خلال توضيح كيفية تأثير حركة الأرض بعد الزلزال على مستويات سطح البحر، يتيح البحث وضع تخطيط أفضل لدفاعات الفيضانات وأنظمة الصرف والبنية التحتية الساحلية.

وكانت دراسة سابقة عام 2025 قد حددت أن ثلاثة من أقوى الزلازل التي ضربت سومطرة ساهمت في هبوط سنغافورة. أما البحث الجديد فيوسع النطاق ليشمل ماليزيا وتايلاند ويحدد الآلية المؤدية إلى هذا الهبوط المطول.

وحذر الباحثون من أنه "إذا لم يؤخذ هبوط الأرض بعد الزلزال في الاعتبار ضمن نماذج مستوى سطح البحر، فقد يتم التقليل من مخاطر الفيضانات الساحلية في المناطق المنخفضة".

السياق العالمي: تغير مستوى سطح البحر الناجم عن الزلازل

رغم تركيز الدراسة على جنوب شرق آسيا، فإن آثارها تمتد عالمياً. توجد مناطق الزلازل الكبرى على طول حدود الصفائح التكتونية في العالم، بما في ذلك منطقة البحر الأبيض المتوسط القريبة من ليبيا، حيث يمكن للنشاط الزلزالي أن يؤثر على ديناميكيات مستوى سطح البحر المحلية. ويؤكد البحث على الحاجة إلى بيانات جيولوجية خاصة بكل منطقة في تخطيط التكيف مع تغير المناخ.

ويظل زلزال سومطرة-أندامان عام 2004 واحداً من أقوى الزلازل المسجلة، حيث تسبب في تسونامي مدمر أودى بحياة أكثر من 227 ألف شخص في 14 دولة. وتضيف النتائج الجديدة بعداً جيولوجياً طويل المدى إلى إرث هذه الزلازل الضخمة.

المنهجية العلمية ومصادر البيانات

استخدم الفريق بيانات نظام تحديد المواقع العالمي والأقمار الصناعية لتتبع الحركة الأرضية عبر المنطقة على مدى عقدين. وبمقارنة قياسات الارتفاع قبل وبعد الزلازل، تمكنوا من عزل هبوط الأرض المرتبط بالأحداث الزلزالية وفصله عن العوامل الأخرى كاستخراج المياه الجوفية وضغط الرواسب.

نُشر البحث في مجلة دولية محكّمة ويمثل تعاوناً بين جامعة نانيانغ التكنولوجية وجامعات إقليمية وهيئات المسح الجيولوجي في جنوب شرق آسيا. ويواصل الفريق مراقبة الحركة الأرضية لتحسين نماذجهم وتوسيع نطاق ملاحظاتهم.

وقالت الباحثة غريس نغ: "إن فهم هذه العمليات البطيئة في أعماق الأرض أمر ضروري لبناء مجتمعات ساحلية مرنة. يوفر عملنا أساساً لتوقعات أكثر دقة لمستوى سطح البحر تأخذ في الاعتبار كامل العوامل الطبيعية المؤثرة على التغير الساحلي".

— ليبيا برس / مكتب الأخبار