البشر وليس التكنولوجيا: القطعة المفقودة في التحول الرقمي للحكومات

وزيران سابقان يضعان الإنسان في قلب التحول الرقمي

في مهرجان الابتكار الذي نظّمته مؤسسة غوف إنسايدر عام 2026، وجّه وزيران سابقان من جزر المالديف وماليزيا رسالة قوية إلى الحكومات حول العالم: التكنولوجيا وحدها لا تستطيع قيادة التحول الرقمي، لكن البشر يستطيعون. أكد محمد شريف، وزير الدولة السابق للبيئة والتغير المناخي والتكنولوجيا في جزر المالديف، والدكتور أونغ كيان مينغ، نائب وزير التجارة والصناعة الدولي السابق في ماليزيا، أن الاستثمار في رأس المال البشري أهم بكثير من الاستثمار في أحدث التقنيات.

"التكنولوجيا ستأتي لأن الأسواق تدفع في هذا الاتجاه أصلا"، قال شريف. "إذا استثمرتم في البشر، فأنتم تحرككم المحرك الاقتصادي الذي يقود بدوره التطور التكنولوجي". دعا الوزيران الحكومات إلى توجيه مواردها نحو بناء قدرات الموظفين بدلاً من مطاردة الحلول التقنية المعقدة التي لا يملك الموظفون المهارات اللازمة لاستخدامها.

الدروس الرئيسية من مهرجان الابتكار 2026

خلص شريف وأونغ إلى أن عقوداً من الخبرة في القطاع العام تؤكد حقيقة واحدة: نجاح التحول الرقمي يبدأ من الإنسان ولا ينتهي عند التكنولوجيا. وقدما توصيات عملية واضحة تنطبق على جميع المستويات التنموية والمناطق الجغرافية.

  • الاستثمار في قدرات الموظفين — تدريب موظفي القطاع العام على التكيف مع البيئات الجديدة بدلاً من الاكتفاء بشراء أنظمة حديثة
  • التعاطف قبل السلطة — أكد أونغ أن "الناس لا يهتمون بمدى معرفتك حتى يعرفوا مدى اهتمامك بهم"
  • السيادة المعرفية — يجب على الحكومات الاحتفاظ بقدرتها على التفكير واتخاذ القرار بدلاً من الاستعانة بشركات استشارية أو أنظمة ذكاء اصطناعي
  • الثقة بين المواطن والحكومة — دعا شريف إلى أن يتعاون المواطنون والحكومات في "صياغة الأسئلة التي تجيب عنها التكنولوجيا"
  • التخطيط طويل المدى قبل السرعة — حذر الوزيران من التسرع في الرقمنة على حساب بناء مؤسسات موثوقة ومستدامة

لماذا تفشل الحكومات في التحول الرقمي؟

تشترك مبادرات التحول الرقمي الحكومية حول العالم في نمط فشل واحد: تستثمر الحكومات بكثافة في المنصات والبنية التحتية والأنظمة، ثم تتساءل لماذا يظل معدل التبني منخفضاً. وفقاً لأبحاث أجرتها بنوك تنموية وخبراء في الحوكمة الرقمية، السبب بسيط — تُعامَل التكنولوجيا كحل سحري بينما يُتجاهل الإنسان والإجراءات.

لاحظت روماليسي إيشيموي، التي عملت في مشاريع البنية التحتية الرقمية العامة مع أكبر البنوك التنموية الثنائية، أن المبادرات الناجحة تشترك في ثلاثة محركات: حوافز مدفوعة بالسياسات، وتصميم يركز على الإنسان، وتنسيق مؤسسي يكسر الحواجز بين الجهات الحكومية. وقالت: "نجاح البنية التحتية الرقمية العامة لا يتحدد بالتكنولوجيا وحدها، الجزء الأكبر هو الناس والعمليات، مع تركيز أكبر على الناس".

السيادة المعرفية: لا تتنازلوا عن التفكير

أكد الوزيران على مفهوم "السيادة المعرفية" الذي يعني ضرورة ألا تترك الحكومات التفكير للآخرين، لأن ذلك يعني التخلي عن التعلم نفسه. شدد شريف على أن الاعتماد المفرط على الشركاء الخارجيين يخلق تبعية غير مرغوبة ويُضعف قدرة الدولة على مواجهة عالم لا يمكن التنبؤ به. وأضاف أونغ أن الملكية الفكرية والقدرات الأساسية للحكومة يجب أن تبقى محفوظة قائلاً: "ذلك شيء يجب ألا نتخلى عنه، سواء لشركات الاستشارات أو لحكومات أو شركات من بلد آخر". بعبارة أخرى، لا يريدون منح الذكاء الاصطناعي فرصة "طرح الأسئلة" — فالحكومات هي التي يجب أن تطرحها.

ماذا يعني هذا لمستقبل ليبيا الرقمي؟

تقف المؤسسات الحكومية والعامة في ليبيا عند منعطف حاسم. فبينما يعيد البلد بناء بنيته التحتية ومؤسساته، توجد فرصة فريدة للحصول على التحول الرقمي بشكل صحيح منذ البداية — وذلك بوضع المواطنين وموظفي القطاع العام في قلب كل مبادرة. يمثل الشباب الليبي المطلع على التكنولوجيا أصلاً هائلاً، لكن فقط إذا قابله استثمار في التدريب والقدرات المؤسسية يوازي الاستثمار في المنصات والأنظمة. يمكن للشراكات الإقليمية عبر الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي أن توفر لليبيا تبادل الخبرات العابر للحدود الذي أوصى به شريف لدول جنوب شرق آسيا. السؤال الذي يطرحه القادة الليبيون يجب ألا يكون أي تكنولوجيا يشترون، بل كيف يبنون قوة عمل وإطار حوكمة قادراً على استخدام أي تكنولوجيا بفعالية.

الطريق إلى الأمام: الطبخ البطيء على مائدة العشاء

قدم أونغ استعارة لا تُنسى للنهج الذي يجب أن تتبعه الحكومات: "الطبخ البطيء على مائدة العشاء". فبدلاً من التسرع في نشر الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، ينبغي على الحكومات استثمار الوقت في التخطيط طويل المدى وإشراك أصحاب المصلحة وبناء الأسس البشرية التي تجعل تبني التكنولوجيا مستداماً. كانت رسالة الوزيرين واضحة — اعتمدوا على الناس، الناس الحقيقيين، وليس فقط الأشخاص داخل الحكومة، بل أمتكم بأكملها. بالنسبة لليبيا والدول النامية حول العالم، لا يمكن أن تكون هذه النصيحة أكثر مما هي عليه اليوم من حيث الأهمية.

— ليبرس / مكتب التكنولوجيا