ارتفاع حرارة البحر قبالة ليبيا إلى مستويات غير معتادة مع اشتداد الاحتباس الحراري في المتوسط

درجات حرارة سطح المتوسط ترتفع 8 درجات مئوية عن المعدل وتهدد السواحل الليبية

سجّلت حرارة البحر قبالة السواحل الليبية مستويات غير معتادة في يوليو 2026، في إطار موجة حر بحري شديدة تجتاح حوض البحر الأبيض المتوسط. وأظهرت بيانات برنامج كوبرنيكوس الأوروبي لرصد الأرض تجاوز درجات حرارة سطح البحر في أجزاء واسعة من المتوسط للمعدلات التاريخية بنسبة تصل إلى 8 درجات مئوية في أواخر يونيو 2026، محققة أرقاماً قياسية جديدة للشهر ذاته.

ويخلّف هذا الارتفاع تأثيرات مباشرة على المدن الساحلية الليبية، وفي مقدمتها طرابلس وبنغازي ومصراتة والخمس، حيث يعاني السكان من ارتفاع ملحوظ في الرطوبة والإجهاد الحراري نتيجة سخونة مياه البحر.

أرقام قياسية للحرارة البحرية في المتوسط

أفادت وكالة الفضاء الأوروبية بأن متوسط درجة حرارة سطح البحر الأبيض المتوسط حطّم الأرقام القياسية المسجلة في يونيو 2023 ويونيو 2024. وأدّى الاحترار المستمر إلى ظروف موجة حر بحري طالت نحو 98% من حوض المتوسط، مع تعرّض حوالي 80% من البحر لموجات حر بحري قوية وشديدة خلال الفترة بين يناير ويونيو 2026.

وأوضحت خدمة كوبرنيكوس البحرية أن متوسط درجة حرارة سطح البحر خلال النصف الأول من عام 2026 بلغ 18.07 درجة مئوية، ما يجعله ثالث أدفأ نصف عام منذ بدء التسجيل، بعد عامي 2024 و2025. ويعزو العلماء هذا الاتجاه إلى تراكم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي إلى جانب التقلبات المناخية الطبيعية.

القبة الحرارية الأوروبية ترفع الرطوبة على السواحل الليبية

ربطت وزارة البيئة الليبية موجة الحر الحالية بما يُعرف بـ"القبة الحرارية الأوروبية"، وهي منظومة ضغط جوي مرتفع مستمرة فوق أوروبا تسحب الهواء الحار والرطب عبر البحر المتوسط نحو شمال إفريقيا. وقد أسهمت هذه الظاهرة في ارتفاع كبير بنسبة الرطوبة على طول الساحل الليبي الممتد لنحو 1,770 كيلومتراً.

وأوضحت الوزارة في بيان أصدرته مطلع يوليو أن ارتفاع حرارة مياه المتوسط يرفع مستويات الرطوبة في المدن الساحلية الليبية، مما يزيد الإحساس بالحر ويجعل الأجواء الخارجية أكثر قسوة. ويؤدي الجمع بين الحرارة المرتفعة والرطوبة إلى ما يسميه المختصون "الإجهاد الحراري"، الذي يشكّل خطراً على الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

تحذيرات المركز الليبي لأبحاث تغير المناخ

كان المركز الليبي لأبحاث تغير المناخ في بنغازي قد أصدر تحذيراً عاجلاً في أبريل 2026، توقع فيه أن يكون صيف هذا العام أكثر حرارة من المعتاد في معظم أنحاء ليبيا. وقد تحققت تلك التوقعات، حيث تجاوزت درجات الحرارة في يوليو المعدلات الموسمية في مناطق داخلية وساحلية عديدة.

وصرّح فارس فتحي، مدير الإدارة العامة للنظم الجغرافية والبيئية بوزارة البيئة، أن التوقعات المناخية من مايو إلى يوليو 2026 أشارت إلى ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة فوق المعدلات الطبيعية. ونقلت وكالة الأنباء الليبية (لانا) عن فتحي قوله إن ارتفاع حرارة سطح البحر المتوسط يمثل عاملاً إضافياً يؤثر في الظروف المناخية للمناطق الساحلية ويسهم في زيادة الرطوبة والإحساس بالحرارة.

الأنظمة البيئية البحرية ومصايد الأسماك في خطر

يهدّد الاحترار غير المعتاد للمياه الساحلية قبالة ليبيا النظم البيئية البحرية أيضاً. فموجات الحر البحرية الطويلة يمكن أن تسبب ابيضاض المرجان، وتعطّل دورات تكاثر الأسماك، وتُغيّر توزيع الأنواع البحرية. وبالنسبة للمجتمعات الساحلية الليبية التي تعتمد على الصيد مصدر رزق رئيسي، فإن هذه التغيرات قد تؤدي إلى تراجع المخزون السمكي وتُهدّد الأمن الغذائي.

وبحسب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فإن البحر المتوسط يسخن بنسبة 20% أسرع من المتوسط العالمي للمحيطات، مما يجعله أحد أكثر المناطق البحرية عرضة للخطر.

ويرصد الصيادون المحليون على امتداد الساحل من زوارة غرباً إلى طبرق شرقاً تغيرات في أنماط هجرة الأسماك وانخفاضاً في كميات الصيد خلال السنوات الأخيرة، وهي مؤشرات يقول العلماء إنها تتسق مع ارتفاع حرارة البحر.

البنية التحتية الساحلية في مواجهة التغير المناخي

يسهم ارتفاع حرارة البحر في ارتفاع مستوى سطح البحر عبر التمدد الحراري، ويشكّل مع تزايد شدة العواصف مخاطر على البنية التحتية الساحلية في ليبيا، بما في ذلك الموانئ والطرق والمناطق الحضرية المطلة على الساحل.

وكان برنامج الأمم المتحدة للبيئة قد صنّف المنطقة الساحلية الليبية ضمن المناطق الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ، مشيراً إلى ارتفاع مستوى البحر وارتفاع درجات الحرارة وتراجع هطول الأمطار باعتبارها تهديدات رئيسية. ويدعو الخبراء السلطات الليبية إلى تطوير استراتيجيات تكيّف تعالج الاحترار التدريجي والظواهر الجوية المتطرفة على حد سواء.

ومع استمرار ارتفاع حرارة البحر المتوسط بوتيرة متسارعة، فإن المستويات غير المسبوقة قبالة سواحل ليبيا في يوليو 2026 تشكّل إشارة إضافية إلى أن تغير المناخ يعيد تشكيل بيئة المنطقة. ويظل الرصد المستمر من قبل المؤسسات الدولية والوطنية أمراً حيوياً لمتابعة هذه التغيرات.

— ليبيا برس / مكتب الأخبار