الحاجي: الولايات المتحدة تعطي الأولوية لاستقرار ليبيا على الاستحقاق الانتخابي بعد جولة بولس

قال المحلل السياسي الليبي إسلام الحاجي إن الولايات المتحدة باتت تضع الاستقرار المؤسسي في ليبيا في مقدمة أولوياتها، متجاوزة التركيز على تسريع العملية الانتخابية، في تحول استراتيجي لافت في التعامل مع الأزمة الليبية المستمرة.

وأوضح الحاجي، في تصريحات خاصة لوكالة "سبوتنيك" الروسية، أن الجولة الأخيرة للمبعوث الرئاسي الأميركي مسعد بولس في ليبيا تعكس تحركاً أميركياً متعمداً لإعادة توحيد الأطراف الليبية حول مسار سياسي جديد، يتعامل مع الأزمة على أنها أزمة مؤسسات معطلة في المقام الأول، وليس مجرد استحقاق انتخابي مؤجل.

جولة بولس تعكس تحولاً أميركياً نحو بناء المؤسسات أولاً

وأكد الحاجي أن الولايات المتحدة تسعى حالياً إلى توحيد المؤسسات السيادية الليبية قبل إجراء أي انتخابات، في خروج واضح عن المبادرات الدولية السابقة التي وضعت الانتخابات في صلب الحل. وقال: "واشنطن ترى أن إجراء الانتخابات قبل معالجة الانقسام السياسي والأمني والاقتصادي من شأنه أن ينقل الأزمة إلى مرحلة ما بعد الانتخابات، بل وقد يزيد من حدة الصراع حول الشرعية".

وشدد المحلل على أن الإدارة الأميركية لا تدعم أي طرف ليبي بعينه، بل تتواصل مع مختلف القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية بهدف إنتاج سلطة تنفيذية موحدة ومستقرة يمكن التعامل معها، بغض النظر عن شكلها، كخطوة تمهيدية لإصلاح أوسع.

طمأنة الأطراف الليبية وبناء توافق واسع

وبحسب الحاجي، يعمل بولس من خلال جولاته بين الشرق والغرب الليبيين على طمأنة مختلف الأطراف، بمن في ذلك القوى التي كانت متحفظة في البداية على المبادرة الأميركية، بأنه لن يتم استبعاد أي طرف من العملية السياسية، وأن الولايات المتحدة ستكون ضامناً لأي تفاهمات يتم التوصل إليها.

وشملت لقاءات المبعوث الأميركي مختلف مراكز النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي في ليبيا، في إطار السعي إلى بناء الإجماع الواسع اللازم لدفع المبادرة قدماً.

ليبيا ضمن استراتيجية أوسع في شمال أفريقيا والساحل

ورأى الحاجي أن واشنطن تنظر إلى ليبيا كجزء من عملية إعادة ترتيب أوسع لمنطقة شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. وتشمل أولويات الولايات المتحدة في هذا السياق أمن الطاقة، والهجرة، والاستقرار الإقليمي، وتأمين مصالح حلفائها في حوض البحر الأبيض المتوسط.

وأضاف: "الولايات المتحدة لا تجعل الديمقراطية أولوية في هذه المرحلة بقدر ما تركز على بناء استقرار قابل للإدارة عبر توحيد المؤسسات الاقتصادية والأمنية والعسكرية. الانتخابات ستأتي لاحقاً بعد تهيئة الظروف المناسبة لضمان نتائج مستقرة".

تنسيق إقليمي ودولي متزايد

وأشار الحاجي إلى أن هذه الرؤية تفسر أيضاً سعي واشنطن إلى بناء توافقات إقليمية ودولية حول أي تسوية سياسية، ولمنع أي طرف من إفشالها. فموقع ليبيا الاستراتيجي، الذي يربط أفريقيا بالعالم العربي وأوروبا، يجعلها محوراً أساسياً في هذه الحسابات.

ويأتي هذا الحراك في وقت تشهد فيه ليبيا تحركات دبلوماسية دولية متزايدة، حيث وصف المحلل علي المرعاش المشاركة الباكستانية الأخيرة مع الأطراف الليبية بأنها تركز على الجانب الأمني وتتوافق مع المسار الأميركي، مما يشير إلى تنسيق متزايد بين الجهات الفاعلة الخارجية.

تحذير من إعادة تقاسم المناصب

ودعا الحاجي القوى السياسية الليبية إلى اغتنام الزخم الدولي والإقليمي الحالي لبناء مشروع وطني حقيقي، يقوم على التنازلات المتبادلة وتغليب المصلحة الوطنية على الصراع على السلطة والنفوذ. وحذر من تحول المبادرة الحالية إلى مجرد عملية جديدة لتقسيم المناصب والمكاسب، كما حدث في التجارب السياسية السابقة.

وقال: "الفرصة حقيقية، لكنها تتطلب من الفاعلين الليبيين أن يرتقوا إلى مستوى المسؤولية. إذا تحولت هذه المبادرة إلى مجرد جولة جديدة من تقاسم السلطة، فإن الحلقة المفرغة ستستمر، والشعب الليبي سيكون الخاسر الأكبر".

ماذا يعني هذا المسار لمستقبل ليبيا؟

يشير النهج الأميركي، وفق ما وصفه الحاجي، إلى جدول زمني أطول للعملية السياسية في ليبيا، يُعطي الأولوية للمؤسسات الفاعلة والاستقرار الاقتصادي على حساب رمزية الانتخابات. بالنسبة للمواطن الليبي، قد يعني هذا استمرار التأخير في اختيار ممثليه، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى حوكمة أكثر فعالية وخدمات أفضل في الفترة الانتقالية.

ستكشف الأسابيع المقبلة ما إذا كانت دبلوماسية بولس المكوكية قادرة على تقديم الإطار المؤسسي الموحد الذي تسعى إليه واشنطن، أم أن الانقسامات الليبية العميقة ستحبط مرة أخرى جهود الوساطة الدولية.

— ليبيا برس / مكتب السياسة