إعادة الارتباط الأمريكي بليبيا: دفع جديد للسلام قد يعيد رسم خريطة شمال أفريقيا

واشنطن تتوسط قمة القاهرة نادرة بحضور مصر والسعودية وتركيا

اجتمع ممثلون من الولايات المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا في العاصمة المصرية القاهرة الأسبوع الماضي لبحث مقترحات تهدف إلى إنهاء الجمود السياسي الذي تعاني منه ليبيا منذ أعوام طويلة. ويرى محللون أن هذه الدفعة الدبلوماسية المتجددة تحمل خريطة طريق ملموسة لتوحيد البلاد هي الأكثر واقعية منذ وقف إطلاق النار عام 2020.

ويستند المسار الجديد إلى إطار قدمه كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية مسعد بولس، يدعو إلى إقرار ميزانية وطنية موحدة، وحكومة واحدة، ومؤسسات عسكرية مدمجمة، وإجراء انتخابات وطنية طال انتظارها. وقد وافقت ليبيا مؤخرًا على أول ميزانية للدولة منذ أكثر من عشر سنوات — خطوة أولى ملموسة في اتجاه تنفيذ هذا الهدف التاريخي.

لماذا تعود واشنطن للاهتمام بليبيا الآن؟

تراجع الاهتمام الأمريكي بليبيا خلال السنوات الأخيرة مع ترسّخ الجمود بين السلطتين الشرقية والغربية. لكن إدارة ترامب عادت لتوجيه أنظارها نحو طرابلس وطبرق هذا العام، مدفوعتين بملفين استراتيجيين: أمن الطاقة ومكافحة الإرهاب.

تمتلك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في القارة الأفريقية، وترى واشنطن أن تحقيق الاستقرار ضرورة لحماية الاستثمارات شركات الطاقة الأمريكية وكبح انتشار الشبكات الجهادية عبر منطقة الساعل. وفي فبراير 2026، منحت المؤسسة الوطنية للنفط أول مناطق استكشاف لشركات أجنبية منذ عام 2007.

اتفاقية تطوير تاريخية مدتها 25 عامًا مع شركات طاقة أمريكية وفرنسية تستهدف استثمارات تصل إلى 20 مليار دولار، وتهدف لزيادة الإنتاج بما يصل إلى 850 ألف برميل يوميًا — رقم يجعل ليبيا من أسرع المنتجين نموًا خارج أوبك.

القوى الإقليمية تغيّر موقفها

تحمل قمة القاهرة دلالات واضحة على تحوّل في مواقف القوى الإقليمية التي تدخلت سابقًا في الملف الليبي. فمصر والإمارات والسعودية دعمت سابقًا القائد الشرقي خليفة حفتر باعتباره صمام أمان ضد توسع الإسلام السياسي. في المقابل، تدخلت تركيا عسكريًا في 2019-2020، فنشرت طائرات مسيرة ومقاتلين سوريين في حرب طرابلس لمنع حفتر من الاستيلاء على العاصمة.

اليوم تتغير الحسابات. أعادت القاهرة النظر في تحالفها مع حفتر بسبب مخاوف من روابط مزعومة بين قائد الجيش الوطني الليبي وقوات الدعم السريع التي تزعزع الاستقرار الحدود الجنوبية لمصر. وفتحت أنقرة قنوات تواصل مع عائلة حفتر لضمان الوصول إلى حقول الطاقة في شرق البحر المتوسط. أما الرياض وأبو ظبي، المنهماكتان بتنافسهما في اليمن والسودان، فقد أصبحتا تدعمان علنًا التسوية التفاوضية.

اختراق الميزانية وتعاون أفريكوم

في غضون أسابيع من تواصل مسعد بولس مع حكومتي طرابلس وطبرق، أقرت ليبيا ميزانية الدولة الموحدة الأولى منذ أكثر من عقد زمني. وفي الملف الأمني، شاركت القوات الليبية الشرقية والغربية لأول مرة في تدريب "فلينتلوك" لمكافحة الإرهاب بقيادة القيادة الأمريكية الأفريقيّة.

وخلال العام الماضي، فككت السلطات الليبية أربع خلايا تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية كانت تنقل مقاتلين من أوروبا إلى الساحل والصومال. ولا يزال التنظيم يحتفظ بخلايا نائمة داخل الأراضي الليبية رغم خسارته لمعقله في سرت عام 2016.

عقبات أفشلت كل الاتفاقات السابقة

غير أن الإعلان عن الاهتمام لا يعني بالضرورة الالتزام. فقد أيد سياسيون في طرابلس ومعسكر حفتر أطر سلام من قبل، ثم تراجعوا حين طُلب منهم تقديم تنازلات حقيقية حول السلطة السياسية وتقاسم عائدات النفط.

وتعمّق الانقسامات الداخلية من حجم التديعة. فداخل حكومة الوحدة الوطنية في العاصمة طرابلس، يرفض كثير من القادة السياسيين والأمنيين أي تشارك للسلطة مع عائلة حفتر. وفي الشرق، تشير التقارير إلى صراع مكتوم بين أبناء حفتر قد يزعزع سلسلة القيادة في الجيش الوطني الليبي.

وقطاع الطاقة يوضح حجم المخاطر. في أغسطس 2024، أدى نزاع على سلطة مصرف ليبيا المركزي إلى إغلاق عدد من المنشآت النفطية، ما أدى إلى توقف أكثر من نصف الإنتاج لأسابيع طويلة. وتستخدم الميليشيات مرافق النفط مرارًا كأداة ضغط لانتزاع تنسيقات سياسية.

ثمن الفشل باهظ للجميع

انهيار طويل الأمد في قطاع الطاقة الليبي لن يقتصر تأثيره على ليبيا وحدها. شركات أمريكية وإيطالية وقطرية تعمل حاليًا في الحقول الليبية، وأي توقف مطول سيقلل من الطاقة الإنتاجية الفائضة عالميًا، مما يضعف قدرة أسواق النفط على امتصاص صدمات العرض — لا سيما تلك الناجمة عن أي توترات جديدة مع إيران.

إطار بولس يوفر المسار الأكثر تنظيمًا نحو توحيد ليبيا منذ سنوات، سنده تحالف إقليمي غير مسبوق ومغريات ملموسة للاستثمار في الطاقة. لكن تاريخ عملية السلام في ليبيا يحفل بأطر سابقة لم ترَ النور. والنجاح هذه المرة مرهون بقدرة النخبة في طرابلس وطبرق على اختيار التسوية المؤسسية بدل حسابات البقاء الفصائلي.

— ليبيا برس / مكتب السياسة