واشنطن تراهن على التعاون العسكري لفتح آفاق النفط الليبي

رهان دبلوماسي بدأ يؤتي ثماره

وصل إنتاج النفط الليبي إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من عقد، حيث بلغ الإنتاج 1.43 مليون برميل يومياً في يونيو 2026. وراء هذه الطفرة تقف استراتيجية أمريكية طموحة: التوسط في تحقيق تعاون عسكري بين الفصائل الليبية المتنافسة وتحويل هدنة هشة إلى ازدهار نفطي حقيقي. يرتكز رهان واشنطن على معادلة بسيطة — الإنتاج النفطي المستدام يتطلب حداً أدنى من السلام الداخلي، والسلام يتطلب من المسلحة أن تتوقف عن القتال وتبدأ في التنسيق.

من توحيد الميزانية إلى المناورات العسكرية المشتركة

بدأ التحول في أبريل 2026، حين وافقت الحكومتان الليبيتان المتنافستان على ميزانية وطنية موحدة لأول مرة منذ عام 2013. تبلغ قيمة الميزانية نحو 190 مليار دينار ليبي، أي ما يعادل حوالي 30 مليار دولار، مع تخصيص جزء كبير منها لشركة النفط الوطنية. هذا الإجراء المالي وحده أرسل إشارة واضحة بأن كلا المعسكرين قادر على الاتفاق على شيء ملموس — المال، وعلى وجه التحديد، عائدات النفط.

بعد ذلك بفترة وجيزة، استضافت ليبيا أول مناورات عسكرية مشتركة على الإطلاق بين القوات الغربية والشرقية في مدينة سرت، المدينة الساحلية التي لطالما شكلت خط الفصل بين المعسكرين. جرى التمرين بدعم من قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا، بمشاركة شخصيات بارزة من بينها اللواء جون بريننان. لبلد ظلت فيه الجيوش المتنافسة تواجه بعضها لأكثر من عقد، فإن صورة الجنود وهم يتدربون معاً بدلاً من تبادل إطلاق النار تحمل رمزية هائلة.

أرقام وحقائق أساسية

  • يبلغ الإنتاج النفطي الليبي حالياً 1.43 مليون برميل يومياً، وهو الأمنذ 10 سنوات
  • الهدف الوطني الوصول إلى 2 مليون برميل يومياً، وهو مستوى لم تبلغه ليبيا منذ ما قبل ثورة 2011
  • الميزانية الموحدة لأبريل 2026 تبلغ 30 مليار دولار، مع تمويل كبير لشركة النفط الوطنية
  • أُجريت مناورات عسكرية مشتركة بين القوات الشرقية والغربية في سرت لأول مرة في التاريخ
  • قدمت القيادة الأمريكية لأفريقيا دعماً مباشراً للتدريبات، مما يؤكد المشاركة العميقة لواشنطن

الطريق أمامنا: وعود ومخاطر

رغم التقدم المحرز، لا تزال عقبات كبيرة قائمة. فالمجموعات المسلحة لا تزال تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي، والقوى الأجنبية بما فيها تركيا وروسيا والإمارات مستمرة في دعم فصائل متنافسة، والخلافات حول توزيع عائدات النفط قد تقوض الهدنة الهشة في أي لحظة. ولا تزال آليات تقاسم الإيرادات محل خلاف، وقد حذرت شركة النفط الوطنية مراراً من أن الإغلاقات والمحاصرات يمكن أن تخفض الإنتاج بين ليلة وضحاها.

ما يعنيه ذلك للمواطن الليبي

بالنسبة للمواطن العادي، لا يمكن أن تكون المخاطر أعلى من ذلك. تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا — نحو 48 مليار برميل — لكن السكان لم يروا إلا القليل من فوائد سنوات من الإنتاج الذي عصف به النزاع. الإنتاج الأعلى، إذا استمر، يعني مزيداً من الإيرادات التي تتدفق نحو الخدمات العامة والبنية التحتية والرواتب. الميزانية الموحدة بحد ذاتها إشارة إلى أن الحكومتين تدركان أن الثروة النفطية يجب أن تتحول إلى تحسينات ملموسة للشعب الليبي. قطاع طاقة فعال يمكن أن يرسخ استقراراً أوسع ويجذب الاستثمار الأجنبي إلى ما بعد النفط — في البناء والاتصالات والخدمات المالية.

اللعبة طويلة الأمد لواشنطن

يعكس نهج واشنطن اهتماماً استراتيجياً أوسع بتقليل اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية وتأمين إمدادات الطاقة الأفريقية. وبتحقيق الاستقرار في ليبيا، تكسب الولايات المتحدة ليس فقط شريكاً نفطياً موثوقاً بل أيضاً موطئ قدم في منطقة توسعت فيها النفوذ الروسي والتركي والخليجي. ما إذا كان التعاون العسكري سيصمد أو سينهار تحت وطأة الخلافات القديمة هو ما سيحدد ما إذا كان الازدهار النفطي الليبي سيصبح حقيقة أم يبقى وعداً آخر مكسوراً. في الوقت الراهن، تتدفق البراميل — والليبيون يراقبون عن كثب.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد