شبكة عين ليبيا تكشف خفايا التلاعب بالهوية: 34 ألف قيد مزور في السجل المدني تهز مؤسسات الدولة

مكتب النائب العام يؤكد ضبط 34 ألف تسجيل احتيالي في السجل المدني — وقد تكون هذه مجرد البداية

كشف تحقيق استقصائي لشبكة عين ليبيا عن فضيحة فساد كبرى تطال منظومات إدارة الهوية في ليبيا. وأكد مكتب النائب العام اكتشاف 34 ألف قيد مزور في السجل المدني، مكّنت أجانب من الحصول على وثائق هوية ليبية وجوازات سفر، بالإضافة إلى الاستفادة من الدعم الحكومي المخصص للمواطنين.

النتائج التي نُشرت الاثنين تثير أسئلة ملحة حول سلامة قواعد البيانات السيادية في ليبيا ومدى تغلغل الفساد المنهجي داخل مؤسسات الدولة.

حجم الاختراق

وفقاً للبيانات التي حصلت عليها شبكة عين ليبيا، تمتد السجلات المزورة على مدى عدة سنوات، وتتضمن تلاعباً منسقاً ببيانات السجل المدني في عدد من البلديات. كل قيد مزور يفتح الباب أمام الحصول على حقوق المواطنة الليبية — من الوقود المدعوم والدعم الغذائي إلى الرعاية الصحية والتعليم — بتأثير مالي يقدر بمئات الملايين من الدنانير الليبية.

خبير قانوني يحذر: العبث بالبيانات السيادية تهديد للأمن القومي

في مقابلة حصرية مع شبكة عين ليبيا، وصف الدكتور مجدي الشبعاني، أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، الوضع بأنه اختراق أساسي لسيادة الدولة. وقال: "الخطر لا يكمن فقط في عدد الانتهاكات، بل في طبيعتها. هذه الجرائم تستهدف ما أسميه البيانات السيادية للدولة — البيانات التي تقوم عليها الهوية القانونية لكل مواطن وتبنى عليها قرارات الدولة".

وأكد الشبعاني أن التلاعب بالسجل المدني ونظام الرقم الوطني، الذي ينظمه القانون الليبي رقم 8 لسنة 2014، لا يهدد النظام الإداري فحسب، بل يمس مبدأ الشرعية واليقين القانوني وثقة الجمهور في مؤسسات الدولة.

كيف تم استغلال المنظومة؟

يكشف التحقيق ثغرات متعددة أسهمت في تمكين عمليات الاحتيال:

  • ضعف الرقابة الداخلية: موظفون قادرون على تعديل بيانات سيادية دون إشراف مستقل
  • قصور الحوكمة الرقمية: قواعد بيانات غير متكاملة تسمح بوجود سجلات متناقضة دون اكتشافها
  • ضعف الأمن السيبراني: غياب التحقق البيومتري والتوقيع الإلكتروني وسجلات التدقيق غير القابلة للتعديل
  • تشريعات متقادمة: قوانين مكافحة التزوير صُممت للمحررات الورقية ولا تواكب الجرائم الرقمية

وشدد الدكتور الشبعاني على أنه عندما يستطيع موظف واحد تعديل بيانات سيادية منفرداً دون مراجعة، فإن المشكلة ليست فساداً فردياً — بل فشل منهجي في تصميم الإجراءات الإدارية نفسها.

المساءلة يجب أن تصل إلى القمة

دعا الخبير القانوني إلى توسيع نطاق المساءلة ليشمل ما هو أبعد من الجناة المباشرين، مؤكداً أن "العدالة الحقيقية لا تتوقف عند محاكمة الحلقة الأضعف في السلسلة". وشدد على ضرورة محاكمة كل من أصدر التعليمات أو سهّل الجريمة أو تستر عليها أو استفاد منها، داعياً إلى حماية المبلغين عن الفساد وإنشاء وحدات تحقيق متخصصة تجمع خبراء الأدلة الرقمية والأمن السيبراني والتدقيق المالي.

الإصلاح الرقمي سلاح لمكافحة الفساد

أكد الدكتور الشبعاني أن التحول الرقمي، إذا طُبق بشكل صحيح، يُعد من أقوى أدوات مكافحة الفساد والتزوير في الدولة الحديثة. وأوضح أن التحول الرقمي لا يعني استبدال الورق بالحاسب الآلي فحسب، بل إعادة تصميم الإجراءات الإدارية وفق معايير الشفافية والتتبع والمساءلة.

وشملت الإصلاحات الموصى بها: التحقق البيومتري لطلبات الهوية، سجلات تدقيق إلكترونية إلزامية غير قابلة للتعديل، تكامل قواعد البيانات الحكومية، والفصل الصارم بين صلاحيات إدخال البيانات واعتمادها ومراجعتها.

التحدي الأعمق: من كشف الفساد إلى الإصلاح المؤسسي

يكشف التحقيق معضلة جوهرية: كل قضية فساد تُكشف تمثل نجاحاً للأجهزة الرقابية وفشلاً في الوقاية في آن واحد. السيطرة التي تواجه السلطات الليبية هي ما إذا كانت كل فضيحة مكشوفة ستُعالج كحادثة منعزلة أم ستتحول إلى فرصة لإصلاح مؤسسي جذري.

واختتم الدكتور الشبعاني بالقول: "الدولة الحديثة لا تُحمى بالعقوبات وحدها، وإنما بمؤسسات قوية، ومنظومات رقمية آمنة، ورقابة فعالة، وقضاء مستقل، وتشريعات تواكب التطور التكنولوجي".

مع تحديد 34 ألف سجل مزور بالفعل واستمرار التحقيقات، يبقى السؤال: هل تستطيع المؤسسات الليبية تحويل فضائح الفساد إلى إصلاح حقيقي؟

— ليبيا برس / مكتب الأخبار