عين ليبيا تكشف أزمة 60 مليار دينار: كيف كلفت سياسات الإسكان الفاشلة الليبيين

العجز السكني في ليبيا يتجاوز 380 ألف وحدة ويتزايد يوماً بعد يوم

لا تزال 380 ألف وحدة سكنية متوقفة في جميع أنحاء ليبيا، تمثل ما لا يقل عن 60 مليار دينار من الثروات العامة المجمدة، وفق تحقيق حصري أجرته شبكة "عين ليبيا". ترسم الأرقام صورة قاتمة لدولة فشلت فيها سياسات الإسكان مراراً، مع تجاوز الطلب للعرض بفارق كبير.

150 ألف وحدة.. هل تستطيع الحكومة الوفاء بالوعد؟

أثار البرنامج الحكومي لبناء 150 ألف وحدة سكنية أسئلة أكثر من الإجابات. حذّر رجل الأعمال والمحلّل الاقتصادي حسني بي، في حديث خاص لشبكة "عين ليبيا"، من أن المبادرة قد تخفف جزءاً من العجز، لكنها لا تغطي سوى عامين من الطلب المتزايد.

وقال: "ينمو عدد سكان ليبيا بأكثر من 100 ألف نسمة سنوياً، مع تكوين ما لا يقل عن 70 ألف أسرة جديدة كل عام. أضف عقوداً من الطلب المتراكم، وستجد أن 150 ألف وحدة لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من الحاجة الحقيقية".

وأوضح أن السؤال الأهم ليس عدد الوحدات المعلنة، بل أين سيتم بناؤها، وكيف ستموَّل، ومن يستحقها، وما إذا كانت البنية التحتية وفرص العمل متوفرة في مواقعها.

380 ألف وحدة متوقفة: أصول مجمّدة بـ 60 مليار دينار

من أكثر الأرقام كشفاً في التحقيق ما يتعلق بالمشاريع المتوقفة. يوجد في ليبيا نحو 380 ألف وحدة سكنية في مراحل مختلفة من الإنجاز غير المكتمل، بقيمة لا تقل عن 60 مليار دينار تشمل قيمة الأرض والبناء.

وأكد حسني بي أن "الأولوية الاقتصادية لا تكمن في إطلاق مشاريع جديدة، بل في حصر المشروعات القائمة وتقييمها واستكمال القابل منها للتنفيذ، بدلاً من تجميد المزيد من الأموال العامة في مشاريع قد تتوقف مجدداً".

طرابلس وبنغازي: 70% من الأزمة

يتركز نحو 45% من العجز السكني في العاصمة طرابلس الكبرى و25% في بنغازي، مما يعكس اختلالاً هيكلياً في التخطيط العمراني. حذّر حسني بي من بناء المزيد من المساكن في هاتين المدينتين دون استكمال المشروعات القائمة، قائلاً: "إضافة وحدات سكنية قبل إنجاز ما بدأ ودون خطة حضرية شاملة سيزيد الازدحام والضغط على الطرق والكهرباء والمياه والمدارس".

وأشار إلى أن الحل يتطلب ثلاثة مسارات متوازية: استكمال المشروعات المتوقفة مع البنية التحتية، وتطوير ضواحٍ متكاملة بالوظائف والخدمات، ودعم التنمية في المناطق الأخرى.

لماذا لا تستطيع البنوك تمويل الإسكان؟

أوضح حسني بي أن الجهاز المصرفي الليبي غير قادر على دعم قروض الإسكان الطويلة الأجل، لأن شروط سوق رهن عقاري فعّال غير متوفرة، من غياب سجل عقاري إلكتروني موثوق إلى غياب الحماية القانونية للمقرضين.

وأضاف: "معظم الودائع في المصارف الليبية قصيرة الأجل، بينما التمويل السكني يحتاج 20 أو 30 سنة، مما يخلق فجوة كبيرة". وحذّر من تمويل الإسكان عبر خلق نقود جديدة من المصرف المركزي، لأن ذلك يغذي التضخم ويجبر المواطن على دفع ثمن المسكن مرتين.

10 إلى 15 سنة لحلول جذرية

قدّم حسني بي جدولاً زمنياً واقعياً: في ظل الظروف المثالية، سيبدأ المواطنون برؤية وحدات منجزة خلال ثلاث سنوات، لكن الأزمة لن تنتهي قبل 5 إلى 7 سنوات. وأكد أن الحل الشامل يتطلب برنامجاً مستمراً من 10 إلى 15 سنة، يشمل استكمال المشاريع المتوقفة، وتطوير سوق الإيجار، وإطلاق التمويل العقاري، وتحفيز القطاع الخاص.

ودعا إلى إنشاء جهة رقابية مستقلة تنشر تقارير ربع سنوية عن نسب التنفيذ، محذراً من أن أزمة الإسكان ستتحول من مشكلة اقتصادية إلى أزمة اجتماعية تطال الأسر الليبية في جميع أنحاء البلاد.

— ليبيا برس / مكتب الأخبار