أكثر من 120 مشاركاً يختتمون الحوار المُهيكل وسط مسارات دولية متنافسة تختبر مستقبل ليبيا

اختتمت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جلساتها الختامية للحوار المُهيكل يوم السابع من يونيو 2026 في طرابلس، بمشاركة أكثر من 120 شخصاً يمثلون أطيافاً متعددة من المشهد السياسي والقبلي والمدني الليبي. وقد انطلقت هذه المبادرة في جلستها الأولى يوم الرابع والعشرين من ديسمبر 2025، مستهدفة معالجة أزمة الحوكمة المزمنة في البلاد من خلال إطار شامل للإصلاح المؤسسي والتحضير للاستحقاقات الانتخابية المتعثرة منذ سنوات.

ما أنجزه الحوار المُهيكل فعلياً

نشرت البعثة الأممية تقريرها النهائي بعد أيام من الجلسة الختامية، متضمناً توصيات تفصيلية تشمل الإصلاح الدستوري وإعادة هيكلة قطاع الأمن والحوكمة الاقتصادية. وقد جرى الحوار في إطار ولاية البعثة الأممية الرامية إلى معالجة عدم الاستقرار السياي الليبي عبر التشاور الشامل بدلاً من فرض الحلول من الأعلى.

وتضمن التقرير النهائي عدة مخرجات جوهرية:

  • مقترحات شاملة للإصلاح الدستوري تتناول توزيع الصلاحيات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية
  • إطار لدمج قطاع الأمن مع معايير محددة لتوحيد التشكيلات المسلحة تحت سلطة الدولة
  • توصيات للحوكمة الاقتصادية تستهدف شفافية الإيرادات والتوزيع العادل للثروات
  • تعديلات على القانون الانتخابي مصممة لتمكين إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية ذات مصداقية
  • مقترحات للامركزية تمنح استقلالاً أكبر للمناطق التاريخية الثلاث في ليبيا
  • آليات للعدالة الانتقالية تعالج مظالم أكثر من عقد من النزاع

غير أن هذه التوصيات تظل غير ملزمة، والخلاف المركزي يمتد إلى ما هو أبعد من مضمون المقترحات ليصل إلى السؤال الجوهري: أي سلطة تمتلك الولاية لتنفيذها؟

المسار الأمريكي المنافس يهدّد الإجما الدولي

بالتوازي مع الحوار الذي تيسرته الأمم المتحدة، طوّرت الولايات المتحدة مبادرة دبلوماسية خاصة بها لليبيا، مما أنشأ ما يصفه المحللون بمسارات متنافسة تهدد بتجزئة الإجما الدولي. فالمقاربة الأمريكية تمنح الأولوية للتعاون الأمني وشراكات مكافحة الإرهاب على حساب إطار الإصلاح السياسي الشامل الذي تتبناه البعثة الأممية.

وقد ركّز المسار الأمريكي حسبما تردد على التفال المباشر مع الأطراف الليبية في الشرق، مما أثار مخاوف الفاعلين السيايين في الغرب الليبي من تدخل خارجي يفضل فصائل بعينها. وهذه الديناميكية ذات المسارين تضع القوى السياسية الليبية في موقف صعب بين الشرعية الدولية والترتيبات الأمنية الثنائية.

الفجوة بين التوصيات والواقع

سلّط سياسيون ليبيون، إلى جانب محللين متابعين للملف، الضوء على التوتر الأساي بين المخرجات الطموحة للحوار والآليات العملية اللازمة للتنفيذ. فالتحدي الجوهري يبقى في أنه لا توجد سلطة ليبية واحدة تمتلك حالياً الشرعية أو القدرة المؤسسية لتنفيذ توصيات الحوار من جانب واحد.

وقال محلل سياي ليبي مطلع على مجريات الحوار، متحدثاً شريطة عدم الكشف عن هويته: "أنتج الحوار أفكاراً مهمة على الورق، لكن الأفكار دون آلية تنفيذ تظل مجرد اقتراحات. الفجوة بين التوصيات والواقع هي المكان الذي تعيش فيه أزمة ليبيا فعلياً".

لماذا يهم هذا المواطن الليبي

بالنسبة للمواطن الليبي العادي، تمثل مخرجات الحوار أملاً وإحباطاً في آن واد. فقد شارك أكثر من 120 شخصاً في أشهر من المداولات، لكن البلاد ما زالت تعمل تحت حكومة منقسمة بإدارتين متنازعتين تدّعيان السلطة. فحكومة الوحدة الوطنية المقرة في طرابلس والحكومة القائمة في الشرق ما زالتا على خلاف حول تخصيصات الميزانية وتوزيع عائدات النفط والترتيبات الأمنية.

وتمتد المخاطر إلى ما هو أبعد من السياة. فالإنتا النفطي الليبي، الذي يتراوح حول 1.2 مليون برميل يومياً، يظل عرضة للحصار والتلاعب السياي المتكرر. وتتدهور الخدمات العامة يوماً بعد يوم، ويواجه الشباب الليبي معدلات بطالة تتجاوز 50 بالمئة في بعض المناطق. وكل شهر يمر دون حكومة موحدة يعمّق هذه الأزمات المعيشية.

الطريق إلى الأمام: نافذة تتضيق

ستكون الأسابيع المقبلة حاسمة. فمن المتوقع أن يراجع مجلس الأمن الدولي تقرير البعثة ويبتّ في تمديد ولايتها أو إعادة تشكيلها. وفي الوقت ذاته، قد تعيد التفالات الثنائية بين واشنطن والفصائل الليبية تشكيل المشهد الدبلوماسي بالكامل.

وتواصل منظمات المجتمع المدني الليبية، التي أدت دوراً بارزاً في جلسات الحوار، دعوتها لتنفيذ التوصيات من خلال الضغط المحلي المستمر. وسيتوقف ما إذا كان الحوار المُهيكل سيصبح نقطة تحول حقيقية أم مبادرة أخرى غير مُحققة على ما إذا اختار القادة الليبيون المصلحة الوطنية على المصلحة الفئوية.

إن نافذة العمل تتضيق بسرعة. فمع كل شهر يمر، يتآكل مزيد من ثقة الجمهور، وتتقلص مساحة الحل السياسي السلمي. ومستقبل ليبيا يتوقف اليوم على ما إذا كانت هذه الجهود الدولية المتنافسة يمكن أن تلتقي في دفع موحد نحو الاستقرار، أم أن التجزئة ستصبح الحالة الدائمة التي لا رجعة عنها.

— ليبيا برس / مكتب السياسة