اعتراف الدبيبة بالفشل يقوض هيبة الدولة ويعمق أزمة المؤسسات الليبية

الحكومة تعترف بعدم قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية والشلل السياسي يسيطر على المشهد

في تطور لافت، اعترفت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة فعلياً بعدم قدرتها على الوفاء بالمهام الأساسية للدولة. وقد أحدث هذا الاعتراف، الذي جاء خلال جلسة لمجلس الوزراء في طرابلس، موجة من الصدمة في المشهد السياسي الليبي الهش. ويشير الموقف إلى أزمة حكم متفاقمة تهدد بتآكل ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة بشكل أكبر.

الاعتراف الذي غيّر المسار

خلال اجتماع مجلس الوزراء الذي عُقد في العاصمة طرابلس في 19 يوليو 2026، أقر مسؤولون كبار في حكومة الوحدة الوطنية بأن الحكومة تفتقر إلى القدرة على إنفاذ قراراتها في مساحات واسعة من البلاد. ووصفت المصادر الحاضرة في الاجتماع الأجواء بأنها صريحة بشكل غير معتاد، حيث اعترف الوزراء بأن الشلل المؤسسي بلغ مستويات حرجة. تأتي هذه الاعترافات في وقت يعاني فيه الليبيون في جميع أنحاء البلاد من تدهور الأوضاع المعيشية ونقص الوقود وتراجع الخدمات العامة.

يمثل هذا الاعتراف الصريح بالحدود تحولاً كبيراً عن الإدارات السابقة التي حافظت على واجهة السيطرة رغم الخلل الواضح. ووصف محللون سياسيون تحدثوا إلى ليبيا برس هذه اللحظة بأنها إما لحظة صدق نادرة أو خطوة استراتيجية لدرء اللوم قبل تحولات سياسية محتملة.

جذور الأزمة المؤسسية

لم تنشأ الأزمة المؤسسية في ليبيا بين ليلة وضحاها. فمنذ انتفاضة 2011 التي أطاحت بنظام معمر القذافي، كافحت البلاد لبناء هياكل دولة فاعلة. وقد ساهم الانقسام بين الإدارتين الشرقية والغربية، وتنافس الجماعات المسلحة، وغياب الدستور الدائم، في إفراغ سلطة الدولة من مضمونها.

  • غياب قوات أمنية موحدة: تواصل الميليشيات المسلحة العمل خارج سيطرة الدولة، مما يقوض احتكار الحكومة للقوة الشرعية
  • التقسيم الاقتصادي: انقسام المصرف المركزي بين الشرق والغرب أدى إلى شلل السياسة المالية وتوزيع الموارد
  • الجمود السياسي: تأخر الانتخابات وتنافس المطالبات بالشرعية جمدا عملية اتخاذ القرار في أعلى المستويات
  • الفساد وسوء الإدارة: المليارات من عائدات النفط ضاعت بسبب الفساد، مما لم يترك سوى القليل للاستثمار العام

ردود الفعل الشعبية وانهيار الثقة

بالنسبة لليبيين العاديين، فإن اعتراف الحكومة يؤكد فقط ما يعيشونه يومياً منذ سنوات. في طرابلس وبنغازي ومصراتة وسبها، اعتاد المواطنون على انقطاع الكهرباء، ومياه الصرف الصحي غير المعالجة، والطرق المليئة بالحفر. أما القطاع الصحي، الذي كان يوماً من أفضل القطاعات في شمال أفريقيا، فيعاني اليوم من نقص حاد في الأدوية وبنية تحتية متدهورة.

قال أحد سكان منطقة أبو سليم في طرابلس: "لم نكن بحاجة إلى الحكومة لتخبرنا أنها فشلت. نحن نعيش الفشل كل يوم عندما ينقطع التيار الكهربائي أو عندما لا نجد ماء للشرب." وتعكس هذه المشاعر تصوراً واسعاً بأن الطبقة السياسية الليبية أعطت الأولوية للصراع على السلطة على حساب تقديم الخدمات العامة منذ عام 2011.

الانعكاسات السياسية للاعتراف

لتوقيت هذا الاعتراف أهمية خاصة. فمع تعثر جهود الوساطة الأممية وغياب خارطة طريق انتخابية واضحة في الأفق، قد تكون حكومة الدبيبة تمهد الطريق لانتقال سياسي. ومن خلال الاعتراف الصريح بعمق الضعف المؤسسي، قد تضع حكومة الوحدة الوطنية الأساس لحوار وطني أوسع حول هيكل الحكم المستقبلي في ليبيا.

لكن منتقدين يرون أن الاعتراف دون خطة عمل مقابلة يرقى إلى التخلي عن المسؤولية. وقال مستشار حكومي سابق تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: "الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى، لكن من دون تدابير ملموسة لإعادة بناء المؤسسات، فإنه مجرد ذريعة للتقاعس". يأتي هذا بعد أشهر من التعديل الحكومي الذي أجراه الدبيبة في يوليو 2025، وهي خطوة كان يأمل الكثيرون أن تضخ طاقة جديدة في الحكومة لكنها فشلت في معالجة القضايا النظامية.

البعد الإقليمي والدولي

للضعف المؤسسي في ليبيا تداعيات تتجاوز حدودها. فالبلاد تقع على أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في أفريقيا، ويؤثر عدم استقرارها على أسواق الطاقة عبر البحر الأبيض المتوسط. والدول المجاورة، خاصة تونس والجزائر ومصر، تراقب المسار السياسي الليبي بقلق، خشية امتداد التداعيات من أي تصعيد للصراع الداخلي.

دعت الأطراف الدولية، بما في ذلك بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، مراراً إلى إصلاح مؤسسي شامل. وقد يؤدي اعتراف حكومة الوحدة الوطنية بالفشل إلى تحفيز ضغوط دولية من أجل عملية سياسية أكثر شمولاً تعالج الجذور الحقيقية لتفتت ليبيا بدلاً من الاكتفاء بمعالجة الأعراض.

— ليبيا برس / مكتب السياسة