ثوار مصراتة يرفضون مبادرات تقاسم السلطة ويطرحون بديلًا سياسيًا بـ"الدولة المدنية"

المجلس العسكري لثوار مصراتة يعلن رفضه لخرائط طريق تقاسم السلطة ويطلق مبادرة جديدة

في خطوة سياسية حاسمة أعادت تشكيل المشهد الليبي المتشرذم، أعلن المجلس العسكري لثوار مصراتة رسميًا رفضه القاطع لجميع المبادرات الجارية لتقاسم السلطة، وكشف عن خارطة طريق سياسية منافسة تحت اسم مبادرة "الدولة المدنية". ويُعد هذا الإعلان أهم موقف معارض داخلي لجهود الوساطة الدولية التي تقودها الأمم المتحدة منذ أشهر.

أوضح المجلس، الذي يمثل تحالفًا من الفصائل المسلحة في مصراتة — أحد أبرز المراكز العسكرية والاقتصادية في ليبيا — أن المقترحات الحالية المتداولة بين الفصائل السياسية لا ترقى إلى أكثر من إعادة توزيع للسلطة بين شبكات عائلية ومراكز نفوذ في غرب وشرق ليبيا، وليست مسارًا حقيقيًا نحو المصالحة الوطنية المنشودة.

مبادرة الدولة المدنية: خارطة طريق وطنية بديلة

وبحسب بيان المجلس، فإن مبادرة "الدولة المدنية" تهدف إلى أن تكون بديلًا وطنيًا شاملًا لمواجهة ما وصفه بمحاولات الالتفاف على إرادة الشعب الليبي. وتدعو خارطة الطريق المقترحة إلى انتقال سياسي حقيقي قائم على السيادة الشعبية، وإقامة دولة مدنية مستقرة ذات أسس مؤسسية واضحة تحترم حقوق جميع الليبيين.

وأكد المجلس أن المبادرة ليست مجرد موقف رافض، بل هي بديل بناء يستند إلى الشرعية الدستورية. ودعا إلى الإنهاء الفوري لولايات جميع الهيئات السياسية والاستشارية الحالية، بما في ذلك الحكومات التي تجاوزت مددها القانونية وفقدت شرعيتها الدستورية.

رفض جهود الوساطة الدولية والإقليمية

وانتقد المجلس بشكل خاص العديد من المبادرات الدولية والإقليمية التي طُرحت في الأشهر الأخيرة — المكتوبة وغير المكتوبة — معتبرًا أنها تتجاهل إرادة الشعب الليبي وتحاول هندسة ترتيبات لتقاسم السلطة بين نخب محددة لا تمثل المواطن الليبي. وأفادت مصادر مطلعة لـ"ليبيا برس" بأن أربعة مسارات وساطة منفصلة على الأقل نشطة حاليًا، بدعم من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ودول إقليمية.

وقال المجلس في بيانه الرسمي: "إن هذه التحركات تتجاوز حق الشعب الليبي في تقرير مصيره، وتلتف على مطلب إنهاء شرعية الهيئات السياسية والاستشارية القائمة".

الانتخابات بين الحق القانوني والهندسة السياسية

تشكل قضية الانتخابات نقطة الخلاف الرئيسية في إعلان المجلس. إذ رفض بشدة أي محاولات لتشكيل حكومات عبر ما وصفها بـ"الترتيبات التي تُبرم في الظلام" أو عبر "انتخابات وهمية تُعقد خارج الأراضي الليبية".

وشدد البيان على أن الانتخابات حق مكفول قانونًا لجميع الليبيين، ولا يمكن حصرها في مجموعة محدودة تُفرض عبر اجتماعات ترسخ الانقسام بدلًا من توحيد مؤسسات الدولة. ويتحدى هذا الموقف بشكل مباشر الجهود الأممية الحالية التي تستكشف إجراء انتخابات في ظروف استثنائية خارج البلاد لأسباب أمنية.

مصراتة: ثقل عسكري واقتصادي في المعادلة الوطنية

تحتل مصراتة موقعًا محوريًا في المشهد السياسي والعسكري الليبي منذ عام 2011. فباعتبارها مدينة شهدت بعضًا من أعنف المعارك خلال الثورة والصراعات التي تلتها، باتت فصائلها المسلحة لاعبًا رئيسيًا في تشكيل موازين القوى. كما أن ثقلها الاقتصادي — المتمركز حول مينائها ومنطقتها الصناعية — يمنح مواقفها السياسية تأثيرًا حاسمًا في أي مفاوضات وطنية.

ويشير محللون إلى أن أي تسوية سياسية في ليبيا لا يمكن أن تنجح دون إشراك فصائل مصراتة المتنوعة، مما يجعل معارضة المجلس لمسارات الوساطة الحالية عقبة رئيسية أمام الجهود الدولية لكسر الجمود السياسي المستمر منذ فشل الانتخابات الوطنية.

الخطوات المقبلة

أعلن المجلس أنه سيبدأ بتعميم مبادرة "الدولة المدنية" على القوى السياسية والعسكرية في جميع أنحاء ليبيا، سعيًا لبناء تحالف واسع حول رؤيته للدولة المدنية. ولا يزال من غير الواضح كيف ستستجيب الفصائل الرئيسية الأخرى — خاصة في شرق ليبيا المتحالفة مع مجلس النواب والجيش الوطني الليبي — لهذا المقترح.

وفي الوقت الراهن، تُضيف المبادرة طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد سياسي يعاني أصلاً من انقسام حاد. وستكشف الأسابيع المقبلة ما إذا كانت خارطة طريق "الدولة المدنية" ستنجح في جمع الفرقاء الليبيين أم ستزيد من تشظي المشهد السياسي في بلد ينتظر منذ سنوات حلاً يخرجه من أزمته الممتدة.

— ليبيا برس / مكتب السياسة