مصر وتركيا تتسابقان للسيطرة على بنية الغاز في شرق المتوسط

تحول جذري في موازين الطاقة الإقليمية

قبل عقد من الزمن، كانت الإجابة عن سؤال من يتحكم في شرق المتوسط بسيطة: من ينتج أكبر كمية من الغاز. لكن اليوم، لم تعد النفوذ الإقليمي مرتبطاً بالدول التي تمتلك أكبر احتياطيات، بل بتلك التي تسيطر على البنية التحتية التي يمر عبرها الغاز. مصر وتركيا تبرزان كأبرز المتسابقين في هذا السباق، وهو ما يعيد رسم تحالفات الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عام 2026، بينما تقع ليبيا على مفترق طرق هذه الطموحات المتنافسة.

من الاحتياطيات إلى البنية التحتية: مصدر القوة الحقيقي

يحتوي شرق البحر الأبيض المتوسط على ما يُقدر بـ 3.5 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي عبر المناطق الاقتصادية الخالصة لإسرائيل ولبنان ومصر وقبرص وتركيا وفلسطين. لكن عصر "من يملك أكثر" قد انتهى. ساحة المعركة الجديدة هي البنية التحتية — خطوط الأنابيب ومحطات التسييل وموانئ التصدير التي تحدد من يوصل غازه إلى الأسواق الأوروبية والعالمية. تمتلك مصر محطتي إدكو ودمياط لإسالة الغاز بطاقة إجمالية تتجاوز 17 مليون طن سنوياً، مما يضع القاهرة كمركز إقليمي رئيسي لتصدير الغاز. في المقابل، تستغل تركيا موقعها الجغرافي الاستراتيجي وشبكة خطوط أنابيبها لوضع نفسها كممر عبور لا غنى عنه نحو أوروبا.

أبرز التطورات التي تعيد تشكيل المنطقة

  • اتفاقية الغاز المصرية الإسرائيلية: وافقت إسرائيل على اتفاقية تصدير غاز مع مصر في ديسمبر 2025، مما يعزز دور القاهرة كمركز إقليمي لمعالجة وإعادة تصدير الغاز.
  • استراتيجية الأنابيب التركية: توسع أنقرة بنية أنابيبها لنقل الغاز المحلي من البحر الأسود بالإضافة إلى غاز أذربيجان والعراق نحو الأسواق الأوروبية.
  • محور قبرص واليونان وإسرائيل: عمّقت الشراكة الاستراتيجية الثلاثية بين نيقوسيا الجنوبية وأثينا وتل أبيب علاقاتها الدفاعية والأمنية في أواخر 2025، مشكّلة ثقلاً موازياً للنفوذ التركي في المنطقة.
  • تعثر طموحات لبنان: أعلنت شركة توتال إنرجيز في يناير 2025 أنها تعيد النظر في عملياتها في المياه اللبنانية بسبب تدهور الوضع الأمني الناجم عن الصراع الإسرائيلي مع حزب الله.
  • اضطراب هرمز: تواجه حركة الشحن عبر مضيق هرمز تعافياً بطيئاً مع تقييم شركات الشحن لمخاطر وقف إطلاق النار وتأخيرات إزالة الألغام، مما يرفع من الأهمية الاستراتيجية لشرق المتوسط كمسار بديل للإمدادات.

تحليل خبير: نهاية لعبة البنية التحتية

قال الدكتور جودت بهجات، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الدفاع الوطني: "الدول التي تسيطر على الأنابيب والموانئ هي التي ستكتب قواعد سياسة الطاقة في شرق المتوسط خلال العقدين المقبلين. البنية التحتية المصرية للإسالة تمنحها نفوذاً هائلاً، لكن الموقع الجغرافي التركي كجسر نحو أوروبا لا يقل قوة. السؤال ليس من يملك غازاً أكثر، بل من يتحكم في المسار."

لماذا يهم هذا ليبيا؟

بالنسبة لليبيا، فإن سباق الغاز في شرق المتوسط ليس لعبة جيوسياسية بعيدة. فليبيا تشترك في حدود بحرية مع المناطق المتنازع عليها وتمتلك احتياطيات كبيرة من الغاز البحري في البحر المتوسط. نتائج المنافسة المصرية التركية على البنية التحتية ستؤثر مباشرة على قدرة ليبيا على تطوير مواردها الغازية وتصديرها. أي إطار طاقة إقليمي يستبعد ليبيا يعرض مليارات الأمتار المكعبة من الغاز الليبي للبقاء راكدة في البحر. علاوة على ذلك، فإن الاستقطاب المتعمق بين محور مصر وقبرص واليونان وإسرائيل من جهة وتركيا من جهة أخرى يضع طرابلس تحت ضغط للانحياز لطرف وهو توازن دقيق لبلد لا يزال يتعامل مع انقسامات سياسية داخلية. يجب على صانعي القرار الليبيين الانخراط بفاعلية في الدبلوماسية الطاقة الإقليمية لضمان عدم تهميش حقوق ليبيا البحرية وإمكاناتها المواردية.

ما الذي ينتظر المنطقة

يتميز مشهد الطاقة في شرق المتوسط عام 2026 بمنافسة البنية التحتية وتحالفات متحولة وصراعات غير محلولة. بينما تُعزز مصر موقعها كمركز إقليمي للغاز وتدفع تركيا بطموحاتها في خطوط الأنابيب، فإن الفرصة أمام ليبيا لتأمين مكانها في هيكل الطاقة الإقليمي هي الآن. القرارات التي ستُتخذ في القاهرة وأنقرة وأثينا وتل أبيب خلال الأشهر المقبلة ستشكل مستقبل الطاقة في شمال أفريقيا لعقود. بالنسبة لليبيين، البقاء على اطلاع والمشاركة في هذا المشهد المتطور ليس خياراً بل ضرورة لحماية المصالح الاستراتيجية للوطن في البحر المتوسط.

— ليبيا برس / مكتب السياسة