اكتشاف أثري استثنائي في ليبيا: مسرح قديم ومضمار سباق يوناني نادر يخرجان من تحت أنقاض أبولونيا

بعثة فرنسية تكشف عن اكتشافات أثرية ضخمة في مدينة سوسة الساحلية

أعلنت البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا عن سلسلة من الاكتشافات الاستثنائية في مدينة أبولونيا القديمة قرب سوسة، شملت مسرحاً يطل على البحر ومضمار سباق يوناني وصفه الباحثون بأنه "فريد من نوعه" في حوض البحر الأبيض المتوسط. وتعد هذه الاكتشافات بإعادة تشكيل الفهم العلمي للتراث اليوناني الروماني في ليبيا.

وأكد البروفيسور فينسنت ميشيل، مدير البعثة، هذه الاكتشافات خلال حفل رسمي في سوسة حضره ممثلون عن مصلحة الآثار الليبية ووزارة السياحة والآثار ومنظمات ثقافية محلية.

مسرح يطل على البحر الأبيض المتوسط

يقع المسرح المكتشف حديثاً على الساحل مباشرة ويتمتع بإطلالة خلابة على البحر، وهي ميزة تميزه عن كثير من المسارح القديمة التي كانت تُبنى في المناطق الداخلية. ويعتقد علماء الآثار أن المدرج كان يتسع لمئات المتفرجين وكان المركز الثقافي لسكان أبولونيا، إحدى أهم المدن البحرية في إقليم برقة القديم.

وقال البروفيسور أحمد عيسى من هيئة الآثار الليبية: "هذا ليس مجرد اكتشاف جديد، بل هو نافذة على الحياة اليومية لمدينة ازدهرت عند ملتقى الحضارات اليونانية والرومانية والبيزنطية".

مضمار السباق: الأول من نوعه في المتوسط

الأكثر أهمية هو إعادة اكتشاف مضمار سباق يوناني وصفه البروفيسور ميشيل بأنه "فريد من نوعه" وليس له مثيل معروف في برقة أو في أي مكان في البحر الأبيض المتوسط. هذا الهيكل، الذي ظل مفقوداً تحت طبقات من الركام والرواسب لقرون، تم التعرف عليه خلال عمليات تنقيب في القطاع الجنوبي من المدينة القديمة.

يُعتقد أن المضمار استضاف مسابقات رياضية وسباقات للعربات التي تجرها الخيول، مما يعكس التأثير العميق للثقافة الرياضية اليونانية على مدن شمال أفريقيا الساحلية. ويرجح الباحثون أنه شُيد خلال الفترة الهلنستية، عندما كانت أبولونيا الميناء الرئيسي لمدينة قورينا (شحات حالياً).

مجمعات دينية وسياق تاريخي جديد

إلى جانب المسرح والمضمار، كشفت البعثة عن عدة مجمعات دينية. تزخر هذه المساحات المقدسة بالعناصر المعمارية والنقوش التي تقدم أدلة جديدة على الحياة الروحية والمدنية لأبولونيا عبر عصور متعددة.

وأكد محمد فكرون من مصلحة الآثار الليبية أهمية الاكتشافات، قائلاً: "لطالما كانت أبولونيا كنزاً، لكن هذه الاكتشافات ترفعها إلى مستوى جديد. نحن أمام هياكل يمكن أن تخبرنا كيف تعايش اليونانيون والرومان والبيزنطيون وبنى كل منهم على إرث الآخر".

جهد ليبي فرنسي مشترك

حضر الإعلان الرسمي ناصر الحراري ممثلاً عن وزارة السياحة والآثار، وعادل بوفجره رئيس مراقبة آثار شحات، وممثلون عن جهاز الشرطة السياحية فرع سوسة ومنظمة أبولونيا للتراث والثقافة وكشافة سوسة. ومن البعثة الفرنسية شارك عالم الآثار جان سيلفان كايو.

يأتي هذا العمل ضمن تعاون طويل الأمد بين المؤسسات الأثرية الفرنسية والليبية استمر رغم التحديات التي يواجهها القطاع الثقافي في ليبيا.

اكتشاف يعيد الأمل للتراث الليبي

تأتي هذه الاكتشافات في وقت حساس للمشهد الأثري في ليبيا. فرغم معاناة العديد من المواقع من الإهمال والتخريب منذ عام 2011، تثبت اكتشافات أبولونيا أن التراث الليبي القديم لا يزال يحمل إمكانات هائلة لاكتشافات عالمية. وتأمل السلطات المحلية أن تسهم الاكتشافات الجديدة في تعزيز السياحة الثقافية في المنطقة الشمالية الشرقية، التي تضم خمسة مواقع ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، من بينها الحديقة الأثرية في شحات (قورينا).

وذكرت وكالة الأنباء الليبية (وال) أن هذا الإعلان "يمثل محطة علمية جديدة قد تسهم في إعادة كتابة تاريخ أبولونيا".

وتخطط البعثة لمواصلة التنقيب في الأشهر المقبلة، مع التركيز على الكشف الكامل عن هيكل المسرح ورسم المخطط الكامل للمضمار. كما يأمل الباحثون في استخدام الرادار المخترق للأرض للكشف عن هياكل إضافية مطمورة.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تثمر هذه الاكتشافات في إعادة الاعتبار للتراث الليبي الغابر، وأن تظل أبولونيا شاهداً حياً على عمق الحضارة الليبية عبر العصور.

— ليبيا برس / مكتب الترفيه