من أزمة كهرباء إلى غضب سياسي: احتجاجات ليبيا تكشف أزمة ثقة عميقة

انقطاعات التيار الكهربائي التي تتراوح بين 12 و18 ساعة يومياً في طرابلس ومدن غرب ليبيا أشعلت احتجاجات شعبية، يقول خبراء إنها تطورت من مجرد شكاوى خدمية إلى أزمة سياسية شاملة. وأكد الدكتور إلياس الباروني، خبير العلاقات الدولية، في تصريح لـ"عين ليبيا"، أن هذه الاحتجاجات تمثل تحولاً بنيوياً في المزاج الشعبي الليبي تجاه فشل الحكم والشلل السياسي الذي تعاني منه البلاد.

احتجاجات واسعة في غرب ليبيا مع تفاقم أزمة الكهرباء

نزل سكان طرابلس والزاوية ومصراتة ومدن ساحلية غربية أخرى إلى الشوارع مطالبين بحلول عاجلة لأزمة الكهرباء المتفاقمة. الاحتجاجات التي بدأت كمظاهرات محلية ضد انقطاع التيار الكهربائي توسعت بسرعة لتتحول إلى إدانات أوسع لأداء الحكومة والمؤسسات الرسمية.

وأكد الباروني أن الانتشار الجغرافي السريع للاحتجاجات يدل على أزمة بنيوية وليس مجرد رد فعل عابر. وقال: "هذه الاحتجاجات تنطلق من مناطق كانت تشكل تقليدياً العمود الفقري لدعم السلطة التنفيذية، مما يمنحها دلالة سياسية أكبر"، مشيراً إلى أن هذا يعكس تراجعاً حاداً في ثقة الجمهور بالمؤسسات الحاكمة.

من فشل الخدمات إلى محاسبة سياسية

ما يميز هذه الموجة الاحتجاجية عن سابقاتها هو التحول في الخطاب. فبينما ركزت التحركات السابقة بشكل ضيق على تحسين الخدمات، فإن الحراك الحالي يربط صراحة بين تردي البنية التحتية وفشل النظام السياسي برمته. المتظاهرون اليوم لا يطالبون بالكهرباء فحسب، بل يتساءلون عن شرعية المؤسسات الحاكمة.

وأوضح الباروني: "أزمة الكهرباء لم تعد مجرد مشكلة فنية، بل أصبحت رمزاً لفشل الدولة". وأشار إلى أنه رغم الإيرادات النفطية الكبيرة التي تحققها ليبيا، فإن العجز المستمر عن توفير الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والوقود أدى إلى تآكل ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

العصيان المدني ومخاطره الأمنية

دعت بعض الفصائل المحتجّة إلى إغلاق المؤسسات الحكومية، وهي خطوة وصفها الباروني بأنها تحول نحو العصيان المدني الجزئي. غير أنه حذر من المخاطر المترتبة على ذلك، ومنها الشلل الإداري، وتعطيل مصالح المواطنين، وزيادة التوترات الأمنية، وإمكانية التصعيد من قبل الأجهزة الأمنية.

وأكد أن "نجاح أي حراك شعبي يعتمد على الموازنة بين ممارسة الضغط المشروع والحفاظ على مؤسسات الدولة التي هي ملك لجميع الليبيين"، محذراً من أن أي انزلاق نحو العنف قد يؤدي إلى حملة أمنية تطيح بمكاسب الحراك.

خطر الاستغلال السياسي

في المشهد الليبي المنقسم، يمثل الغضب الشعبي فرصة لمختلف الفصائل السياسية لمحاولة توجيه الاحتجاجات بما يخدم أجنداتها. وأوضح الباروني أن هذا الخطر قائم دائماً في البيئات المنقسمة، حيث قد تسعى أطراف إلى استخدام الغضب العام لإضعاف خصومها أو تحسين موقعها في أي تسوية سياسية مقبلة.

ودعا منظمي الاحتجاجات إلى الحفاظ على استقلالية حراكهم ومقاومة محاولات استقطابه من قبل الفصائل السياسية، معتبراً أن "أكبر تهديد للاحتجاجات ليس القمع الحكومي، بل الاستيلاء عليها من قبل القوى السياسية".

أربعة سيناريوهات للمرحلة المقبلة

استعرض الباروني أربعة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة في حال عدم استجابة الحكومة لمطالب المحتجين:

  • الاحتواء المؤقت: تتخذ الحكومة إجراءات خدمية عاجلة وتحقيق هدوء نسبي دون معالجة الأسباب الجذرية، وتبقى الأزمة كامنة دون حل.
  • توسع الاحتجاجات: تنتشر الحركة إلى مدن ومناطق جديدة، وتتصاعد المطالب من تحسين الخدمات إلى الإصلاحات السياسية الأوسع.
  • التصعيد الأمني: اندلاع اشتباكات بين المحتجين وقوات الأمن أو أعمال تخريب، مما يشكل خطراً كبيراً على الاستقرار.
  • تسريع الضغوط السياسية: تتكثف الضغوط المحلية والدولية للدفع نحو تسوية شاملة تعالج الانقسام وتعيد إطلاق مسار الانتخابات.

أزمة الثقة في قلب ليبيا

وخلص الباروني إلى أن الأزمة الليبية لا تتعلق بالكهرباء أو الخدمات فحسب، بل تعكس تراكماً عميقاً لانعدام الثقة بين المواطن والدولة. وحذر من أنه "إذا استمرت الأزمات دون حلول فعالة، فإن المطالب ستتحول من تحسين أداء الحكومة إلى المطالبة بإصلاحات سياسية أعمق".

وأكد أن حماية الطبيعة السلمية للاحتجاجات، والاستجابة الجادة للمطالب المشروعة، ومنع تسييس الحراك، كلها عوامل أساسية لتجنب المزيد من الاستقطاب والحفاظ على فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة في ليبيا.

— ليبيا برس / مكتب السياسة