من ذاكرة طرابلس إلى مستقبلها.. خطة حكومية لتطوير حي اللانشا العريق

وزارة الإسكان الليبية تستهدف منطقة اللانشا التاريخية في مبادرة شاملة للتجديد الحضري تغطي 26 منطقة متخلفة

أعلنت وزارة الإسكان والتعمير بحكومة الوحدة الوطنية عن خطة تطوير شاملة لمنطقة اللانشا في قلب العاصمة طرابلس، في واحدة من أبرز مبادرات التجديد الحضري التي تشهدها العاصمة منذ سنوات. وتهدف المخطط إلى إعادة تأهيل منطقة عريقة مع معالجة عقود من الإهمال في البنية التحتية.

وكشفت الوزارة أن ما لا يقل عن 26 منطقة في طرابلس مصنفة كأحياء متخلفة حضرياً تتطلب تدخلاً عاجلاً، مما يجعل اللانشا المشروع الرئيسي لاستراتيجية تطوير أوسع، وفقاً لما نشرته صحيفة "الوسط" الليبية.

حي يحمل ذاكرة طرابلس

اللانشا، المستمدة تسميتها من الكلمة الإيطالية "لانشا"، هي واحدة من أقدم الأحياء السكنية في طرابلس. شُيد الحي خلال فترة الاستعمار الإيطالي في أوائل القرن العشرين، وظل على مر العقود موطناً لأجيال من العائلات الليبية والأنشطة التجارية الصغيرة. تحمل شوارعها الضيقة وهندستها المعمارية المميزة روح الماضي العريق لطرابلس.

وأكدت الوزارة في بيانها أن "اللانشا ليست مجرد منطقة سكنية، بل جزء حي من ذاكرة المدينة وتاريخ شعبها"، مشددة على أن مشروع التطوير يحترم النسيج الثقافي والاجتماعي للمنطقة مع تلبية احتياجات البنية التحتية الملحة.

نطاق الخطة والمكونات الأساسية

تتضمن خطة التطوير أولويات متعددة: إعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق، وتحديث المخططات العمرانية لمعالجة البناء العشوائي، وتحسين الخدمات العامة بما فيها المدارس والمرافق الصحية، والحفاظ على الطابع المعماري التاريخي، وإشراك المجتمع المحلي في عملية التخطيط.

وأقرت وزارة الإسكان بأن التنمية الحضرية لم تواكب النمو السكاني في طرابلس، التي تضم نحو 3 ملايين نسمة، أي ما يقرب من 40 بالمائة من إجمالي سكان ليبيا. وكان تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل) عام 2023 قد أشار إلى أن أكثر من 60 بالمائة من المناطق الحضرية في المدن الليبية تفتقر إلى أطر تخطيط رسمية، مما يساهم في الزحف العمراني ونقص الخدمات.

الأزمة الحضرية الأوسع في العاصمة

تشترك المناطق الـ 26 المتخلفة حضرياً في طرابلس في تحديات مشتركة: عدم كفاية إمدادات المياه الصالحة للشرب، وشبكات الصرف الصحي المثقلة التي تفيض بشكل متكرر، والطرق المتضررة، ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية، ونقص المساحات العامة. وأكدت الوزارة أن معالجة هذه المشاكل المترابطة تتطلب نهجاً شاملاً وليس إصلاحات مجزأة.

ويظل التمويل العقبة الأبرز. فقد تعرض قطاع البنية التحتية في ليبيا لعراقيل بسبب قيود الميزانية والانقسامات السياسية. ومع أن إيرادات النفط والغاز تمثل أكثر من 95% من الإنفاق العام، فإن الاستثمارات الحضرية طويلة الأجل تظل عرضة لتقلبات أسعار النفط. ولم تكشف حكومة الوحدة الوطنية عن إجمالي الميزانية المخصصة لمشروع اللانشا حتى الآن.

ردود فعل المجتمع المحلي

أبدى سكان اللانشا والأحياء المجاورة تفاؤلاً حذراً إزاء الإعلان. فعقود من الوعود غير المنجزة جعلت كثيرين يتعاملون بحذر، لكن وضوح الخطة الحالية وتحديدها 26 منطقة بشكل دقيق يمنحان أسباباً للتفاؤل أكبر من الجهود السابقة. ودعت منظمات المجتمع المدني المحلية إلى الشفافية في عملية التخطيط ومشاركة مجتمعية هادفة، مؤكدة أن للسكان صوتاً في القرارات التي ستشكل أحياءهم لأجيال قادمة.

اختبار للحوكمة الحضرية في ليبيا

يمثل مشروع تطوير اللانشا أكثر من مجرد مبادرة بناء، إنه اختبار لقدرة المؤسسات الليبية على تحقيق تحسينات ملموسة في حياة المواطنين بعد أكثر من عقد من عدم الاستقرار. وفي حال نجاح هذا النموذج، يمكن تطبيقه في مدن ليبية أخرى من بنغازي إلى مصراتة إلى سبها، مما يوفر مخططاً متكاملاً للتجديد الحضري في بلد يعيد بناء نفسه.

في الوقت الراهن، ينتظر أهالي اللانشا بآمال محسوبة أن تنتقل الخطط من الأوراق إلى أرض الواقع.

— ليبيا برس / مكتب الأخبار