كيف تعمل مبادرة الحزام والطريق على تشكيل المستقبل الاقتصادي لليبيا

مبادرة الحزام والطريق الصينية تضع ليبيا كشريك استراتيجي في المتوسط مع مشاريع بنية تحتية بمليارات الدولارات

الموقع الاستراتيجي لليبيا على ساحل البحر الأبيض المتوسط في شمال أفريقيا، على بعد 350 كيلومتراً فقط من السواحل الأوروبية، جعل منها شريكاً جاذباً بشكل متزايد في مبادرة الحزام والطريق الصينية. ومع توسع بكين في شبكة بنيتها التحتية العالمية، تقف ليبيا على مفترق طرق حيث تلتقي احتياجات إعادة الإعمار مع طموحات الاستثمار الصينية.

الموقع الاستراتيجي لليبيا في إطار المبادرة

تهدف مبادرة الحزام والطريق، التي أُطلقت عام 2013، إلى ربط آسيا بأفريقيا وأوروبا عبر ممرات البنية التحتية. وتوفر الموانئ الليبية على البحر المتوسط، بما في ذلك طرابلس وبنغازي ومصراتة، للصين بوابة بحرية مباشرة إلى شمال أفريقيا وجنوب أوروبا.

أعربت ليبيا رسمياً عن اهتمامها بالانضمام إلى المبادرة في عام 2018. ومنذ ذلك الحين تواصلت المناقشات رغم المشهد السياسي المعقد في البلاد. وقد وضعت مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين الأساس للتعاون في مجالات البنية التحتية والطاقة والتجارة.

البنية التحتية وإعادة الإعمار: الفرصة المحورية

تتطلب البنية التحتية في ليبيا إعادة بناء ضخمة بعد سنوات من النزاع. فالطرق والموانئ والمطارات ومحطات الطاقة وشبكات المياه تحتاج جميعها إلى إعادة التأهيل. وتتمتع شركات البناء الصينية، بخبرتها الواسعة في إعادة الإعمار بعد النزاعات في أفريقيا، بمكانة تؤهلها للمشاركة في جهود إعادة البناء هذه.

أنجزت الشركات الصينية العديد من المشاريع في ليبيا قبل عام 2011، بما في ذلك بنية السكك الحديدية والاتصالات. وتشير عودتها في إطار المبادرة إلى تجدد الثقة التجارية. ففي عامي 2024 و2025، زارت عدة وفود صينية طرابلس وبنغازي لتقييم فرص إعادة الإعمار.

التعاون في مجال الطاقة: النفط والغاز والطاقة المتجددة

تمتلك ليبيا أكبر احتياطي مؤكد من النفط الخام في أفريقيا بنحو 48 مليار برميل. وتعتبر الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، ليبيا شريكاً استراتيجياً في مجال الطاقة. وأبدت شركات النفط الصينية اهتمامها بالتنقيب وتقاسم الإنتاج في الحقول النفطية الليبية.

وبعيداً عن المحروقات، تفتح المبادرة آفاقاً للتعاون في الطاقة المتجددة. فإمكانات الطاقة الشمسية في ليبيا هائلة، حيث تتعرض لأكثر من 3000 ساعة من ضوء الشمس سنوياً. وقد أجرت شركات الطاقة الشمسية الصينية محادثات أولية مع السلطات الليبية حول مشاريع مزارع شمسية في المناطق الجنوبية.

أكدت المؤسسة الوطنية للنفط ضرورة الاستثمار الأجنبي لرفع الإنتاج إلى ما يتجاوز 1.5 مليون برميل يومياً. ويمكن للشراكات الصينية في إطار المبادرة أن توفر رأس المال والخبرة الفنية اللازمين.

التنويع التجاري والاقتصادي

بلغت التجارة الثنائية بين ليبيا والصين نحو 6 مليارات دولار في عام 2025، مدفوعة بالصادرات الصينية من الآلات والإلكترونيات إلى جانب صادرات النفط الخام الليبي. ويهدف إطار المبادرة إلى تنويع هذه التجارة عبر إنشاء مناطق اقتصادية خاصة ومجمعات صناعية.

من المتوقع أن يستفيد الاقتصاد الليبي، الذي يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط، من التنويع المدعوم بالاستثمارات الصينية في التصنيع والزراعة والتكنولوجيا. وأبدت الشركات الصينية اهتماماً بتطوير مناطق صناعية قرب طرابلس وبنغازي يمكن أن تخلق آلاف الوظائف المحلية.

التحديات والطريق إلى الأمام

يواجه التنفيذ الكامل للمبادرة في ليبيا عقبات عدة. فعدم الاستقرار السياسي والمخاوف الأمنية وانقسام هيكل الحكم يخلق حالة من عدم اليقين أمام الاستثمار طويل الأجل. وتحتاج الشركات الصينية إلى أطر قانونية واضحة وضمانات أمنية قبل الالتزام برؤوس أموال كبيرة.

ويلعب التنافس الإقليمي دوراً أيضاً. فلتركيا وإيطاليا ودول الخليج مصالح اقتصادية كبيرة في ليبيا. وتضع المبادرة الصين كشريك إضافي وليس بديلاً، مما يمنح ليبيا نفوذاً أكبر في المفاوضات الدولية. وستحدد السنوات المقبلة ما إذا كانت المبادرة ستصبح قوة تحويلية في مسار إعادة إعمار ليبيا.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد