ليبيا في قلب المنافسة الدولية: توسع النفوذ الصيني يثير قلق أوروبا وواشنطن

الصين تفتتح أول قنصلية عامة في بنغازي ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز الوجود في ليبيا

في خطوة دبلوماسية لافتة تعكس تسارع الانخراط الصيني في شمال إفريقيا، تستعد بكين لافتتاح أول قنصلية عامة لها في مدينة بنغازي شرق ليبيا، وهو تطور أثار ردود فعل متباينة في العواصم الأوروبية وواشنطن. وأكدت وزارة الخارجية الليبية أن الافتتاح بات وشيكًا، في خطوة تُعد الأهم في مسار التوسع الدبلوماسي الصيني في ليبيا منذ عام 2011.

محور استراتيجي نحو شرق ليبيا

ستمثل القنصلية الجديدة في بنغازي ثاني بعثة دبلوماسية صينية في ليبيا بعد السفارة في طرابلس، في خطوة تعكس استراتيجية بكين القائمة على التعامل مع أبرز المراكز السياسية في البلاد. وأشارت وسائل إعلام ليبية إلى أن افتتاح القنصلية يُعد مؤشرًا على "تقدم مهم" في العلاقات الثنائية. وكان السفير الصيني ما شيويليانغ قد عقد اجتماعات متعددة مع مسؤولين ليبيين خلال عام 2026 ناقش خلالها التعاون في مجالي البنية التحتية والخدمات اللوجستية.

ليبيا على رقعة الشطرنج الجيواقتصادية

يرى المحللون أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لليبيا هو العامل الرئيسي وراء الاهتمام الصيني المتزايد. فالبلد الواقع على الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، على بعد 350 كيلومترًا فقط من السواحل الأوروبية، يمثل بوابة محتملة لبكين نحو الأسواق الأوروبية، وبديلًا استراتيجيًا للممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي الذي أُعلن عنه عام 2023.

وأشار تقرير صادر عن مركز "تاسام" التركي للأبحاث، نقلته صحيفة الوسط الليبية، إلى أن موقع ليبيا الاستراتيجي يعزز قيمتها بالنسبة لمشاريع الربط الإقليمي التي تقودها بكين. وتضع هذه الرؤية ليبيا كمركز محتمل ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية، لتربط شمال إفريقيا بسلاسل التوريد الأوراسية. كما أعلنت الصين عن خطط لإطلاق خطوط شحن جوي مباشر مع ليبيا واستئناف خدمات التأشيرات بشكل كامل عبر سفارتها في طرابلس.

الطاقة والبنية التحتية والاستثمار

يمتد الاهتمام الصيني إلى ما هو أبعد من الدبلوماسية. فبكين تواصل توسيع استثماراتها في قطاع الطاقة الليبي، مع التركيز على مشاريع الطاقة المتجددة وإعادة تأهيل البنية التحتية، وفقًا لتقارير إعلامية. وتمثل ليبيا، التي تمتلك أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في إفريقيا، هدفًا استراتيجيًا مهمًا للصين. وقد أبدت الشركات الصينية اهتمامًا بإعادة بناء الطرق والموانئ ومحطات الكهرباء وشبكات الاتصالات في ليبيا.

القلق الأوروبي والأمريكي

أعربت إيطاليا، الشريك الاقتصادي الأوروبي التاريخي لليبيا، عن قلقها المتزايد إزاء الاختراق الصيني لأسواق شمال إفريقيا. وأشار تحليل نشره موقع "منبر ليبيا" في فبراير 2026 إلى أن "الوجود الصيني والروسي الراسخ في البلاد زاد من حدة القلق الأوروبي".

أما بالنسبة لواشنطن، فيضيف الدور الصيني المتنامي بُعدًا جديدًا للمنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين. وقد حافظت واشنطن على موقف حذر في ليبيا يركز على مكافحة الإرهاب والاستقرار، لكن الهجوم الاقتصادي الصيني يهدد بإعادة تشكيل المشهد بما قد يُهمّش النفوذ الغربي. وحذر تقرير "تاسام" من أن النهج المزدوج للصين — الاستثمار في بنغازي وطرابلس معًا — قد يحد من نفوذ أوروبا الغربية وينقل المنافسة بين واشنطن وبكين إلى شمال إفريقيا.

دبلوماسية المسارين

تحتفظ بكين بعلاقات جيدة مع جميع الفصائل الليبية الرئيسية، في نهج يقوم على المشاركة الاقتصادية دون شروط سياسية. فبافتتاح قنصلية في بنغازي — معقل الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر — مع الإبقاء على السفارة في طرابلس تحت إشراف حكومة الوحدة الوطنية، تضع الصين نفسها في موقع الشريك للجميع.

ففي يونيو 2026، التقى عميد بلدية بنغازي بالسفير الصيني لبحث التعاون الاستراتيجي، بينما يواصل السفير في الوقت نفسه اجتماعاته مع مسؤولي طرابلس بشأن التأشيرات والشحن الجوي. الصين تلعب اللعبة الطويلة — على جانبي الانقسام السياسي الليبي.

ماذا يعني هذا لليبيين؟

استثمارات الصين في البنية التحتية قد تسرّع وتيرة إعادة الإعمار وتوفّر فرص عمل جديدة. لكن تظل المخاوف قائمة بشأن الاعتماد على الديون، وممارسات العمالة، والتبعية الاستراتيجية لشريك خارجي واحد. ليبيا، التي طالما نُظر إليها من زاوية عدم الاستقرار، أصبحت تُعترف بها كجائزة جيواقتصادية كبرى. وبينما تتنافس القوى العالمية، تجد ليبيا نفسها في قلب صراع دولي جديد سيُشكّل مستقبلها وتوازن القوى في المتوسط.

— ليبيا برس / مكتب الشؤون الدولية