احتياطيات ليبيا المجمدة: الأمم المتحدة تفتح الباب أمام إعادة استثمار المليارات

لجنة عقوبات مجلس الأمن تصدر توجيهات جديدة تسمح للمؤسسة الليبية للاستثمار بإعادة استثمار الاحتياطيات النقدية المجمدة بعد 15 عاماً من الجمود المالي

أصدرت لجنة مجلس الأمن الدولي المعنية بليبيا توجيهات جديدة يمكن أن تُطلق جزءاً من الاحتياطيات النقدية الليبية المجمدة في الخارج لإعادة استثمارها، في أول خطوة ملموسة منذ سنوات نحو استعادة قيمة الأصول الخارجية للبلاد.

ويحدد "إشعار المساعدة على التنفيذ" رقم 8، الذي نُشر في 6 يوليو 2026، آلية تطبيق الإعفاء المنصوص عليه في الفقرة 14 من قرار مجلس الأمن رقم 2769 (2025)، والذي يسمح بإعادة استثمار بعض الاحتياطيات النقدية المجمدة التي تحتفظ بها المؤسسة الليبية للاستثمار.

تجميد دام 15 عاماً والخسائر المتراكمة

منذ عام 2011، ظلت صناديق الثروة السيادية الليبية — ولا سيما تلك التي تديرها المؤسسة الليبية للاستثمار — خاضعة للعقوبات الأممية، مما حال دون أي إدارة نشطة للمحفظة الاستثمارية. وخلال هذه الفترة، تآكلت القوة الشرائية لهذه الأصول بشكل كبير بفعل التضخم وضياع فرص استثمارية كانت كفيلة بدعم الاقتصاد الوطني.

ووفق تقديرات محللين ماليين دوليين نقلتها صحيفة "الاستقلال"، فإن القيمة الإجمالية للأصول الليبية المجمدة قد تصل إلى 200 مليار دولار، تشمل الاحتياطيات النقدية السائلة والأصول الثابتة كالعقارات والأسهم. وحتى جزء صغير من هذه الأموال، إذا أُدير بشكل فعال، يمكن أن يحقق عوائد كبيرة تعيد بناء الدولة بعد أكثر من عقد من عدم الاستقرار.

ماذا تسمح التوجيهات الأممية الجديدة؟

يوفّر إشعار IAN 8 إطاراً قانونياً للبنوك والمؤسسات المالية التي تحتفظ باحتياطيات نقدية للمؤسسة الليبية للاستثمار، يسمح لها بتحويل تلك الأموال إلى حسابات استثمارية مخصصة. وتشمل الأحكام الرئيسية:

  • نقل الاحتياطيات النقدية المجمدة بموجب نظام العقوبات إلى حسابات استثمارية بغرض إعادة الاستثمار
  • إمكانية إعادة الاستثمار في الفرص المحلية الليبية والأسواق الدولية على حد سواء
  • إلزام المؤسسات المالية بتقديم إخطار مسبق إلى لجنة العقوبات الأممية قبل تنفيذ أي تحويل
  • اقتصار الإعفاء على الاحتياطيات النقدية فقط، مع بقاء الأصول المجمدة الأخرى خاضعة للقيود الحالية

وتعكس هذه التوجيهات نهجاً متوازناً من جانب مجلس الأمن، يوازن بين ضرورة الحفاظ على الثروة الوطنية الليبية واستمرار الرقابة لمنع تحويل الأموال أو إساءة استخدامها.

الآثار الاقتصادية على ليبيا

يأتي التحرك الأممي المحتمل نحو إطلاق الاحتياطيات المجمدة في وقت حرج للاقتصاد الليبي، الذي يعاني من عجز مستمر في السيولة، وتراجع قيمة الدينار في الأسواق الموازية، واحتياجات ضخمة للبنية التحتية تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات.

ويشير اقتصاديون يتابعون الشؤون المالية الليبية إلى أن عائداً متحفظاً — بين 3% و5% سنوياً — على الاحتياطيات النقدية المعاد استثمارها يمكن أن يدرّ دخلاً كبيراً يدعم الميزانية الوطنية من دون الحاجة إلى ديون جديدة. وقد أكدت المؤسسة الليبية للاستثمار مراراً أن التجميد كلّف ليبيا مليارات الدولارات من العوائد المفقودة على مدى 15 عاماً.

البعد السياسي والرقابي

ظل طريق فك تجميد الأصول الليبية معقداً بفعل الانقسام السياسي الذي تشهده البلاد. وقد شددت الأمم المتحدة والأطراف الدولية المعنية على أن أي إطلاق للأموال يجب أن يترافق مع آليات حوكمة شفافة تضمن استفادة الشعب الليبي منها بدلاً من أن تتحول وقوداً للصراع.

ويُمثل القرار 2769 وإشعار IAN 8 حلاً وسطاً: إذ يمكن إعادة استثمار الأموال وتحقيق عوائد منها، لكنها تبقى تحت إشراف أممي. ولا يطرح الإطار الحالي خيار الإعادة الكاملة للأموال إلى ليبيا أو الوصول غير المقيد إليها في الوقت الراهن.

وفي كلمة أمام مجلس الأمن، رحب ممثل ليبيا بالتوجيهات ووصفها بأنها "خطوة إيجابية"، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة تحقيق مزيد من التقدم لاسترداد كامل الأصول الليبية المجمدة في الخارج.

الخطوات المقبلة

من المتوقع أن تراجع البنوك والمؤسسات المالية التي تحتفظ باحتياطيات المؤسسة الليبية للاستثمار التوجيهات الجديدة وتعد أطر الامتثال اللازمة. وستتلقى لجنة العقوبات الأممية إخطارات بكل عملية تحويل مقترحة، ويتاح لها 30 يوماً للاعتراض عليها، فإذا لم يُقدَّم اعتراض، يُسمَح بإعادة الاستثمار.

وأبدت المؤسسة الليبية للاستثمار استعدادها لتقديم مقترحات استثمارية فور تفعيل الإطار الإجرائي. ومن المتوقع أن تشمل أولويات الاستثمار المحلي البنية التحتية الحيوية، وإعادة تأهيل قطاع الطاقة، ودعم تنمية القطاع الخاص.

أما بالنسبة للمواطن الليبي العادي، فسيتوقف الأثر على سرعة ترجمة هذه الآلية إلى تحسينات اقتصادية ملموسة — استقرار العملة، وخلق فرص عمل، وتحسين الخدمات العامة. وسيراقب المجتمع الدولي عن كثب لضمان ألا تتحول الأموال المُحررة حديثاً إلى مصدر لمزيد من الانقسام.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد