البرلمان الليبي يهدد بالانسحاب من اتفاقية توحيد الإنفاق العام

الافتتاحية: تصعيد مالي يهدد بانهيار الاتفاقية

هدّد رئيس لجنة الإنفاق الموحد في مجلس النواب الليبي بالانسحاب من اتفاقية توحيد الإنفاق العام والعودة إلى آليات الإنفاق السابقة، في خطوة تعمّق الأزمة المالية التي تعاني منها البلاد. جاء هذا التصعيد في غضون الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، وسط خلافات متصاعدة حول السياسة المالية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. ويُشير مراقبون إلى أن هذا التهديد قد يُنهي أشهراً من المفاوضات الرامية إلى توحيد العملية الميزانية المجزأة في ليبيا، حيث يُعدّ هذا الملف من أكثر الملفات تعقيداً في المشهد السياسي الليبي.

السياق: اتفاقية وُقعت في نيسان تواجه رفضاً برلمانياً واسعاً

وُقّعت اتفاقية توحيد الإنفاق العام في الحادي عشر من نيسان عام 2026، في حضر ممثلين عن مصرف ليبيا المركزي والجهات الحكومية المعنية. وسعت الاتفاقية إلى إنشاء آلية موحّدة لإدارة عائدات النفط الليبية الضخمة، التي طالما كانت محل نزاع بين الإدارات المتنافسة في شرق البلاد وغربها. ولا يزال الناتج المحلي الإجمالي لليبيا يعتمد بشكل كبير على عائدات الهيدروكربونات، حيث يُشكّل النفط نحو 98% من إيرادات التصدير الوطنية.

غير أنه في غضون أسابيع من توقيعها، واجهت الاتفاقية معارضة شرسة من كتل برلمانية تزعم أنها تركّز السلطة المالية بيد السلطة التنفيذية بشكل مفرط. ويرى منتقدون داخل مجلس النواب أن الاتفاقية تتجاوز الأحكام الدستورية التي تمنح البرلمان صلاحية اعتماد الميزانية الوطنية ومراقبتها. وقد عانت ليبيا من انقسام مؤسسي منذ عام 2014، مما أدى إلى تقسيم الإنفاق العام بين إدارتين متنافستين في طوبرق وبنغازي.

حقائق أساسية حول الأزمة

  • أصدر رئيس لجنة الإنفاق الموحد تهديده بالانسحاب خلال اليوم الماضي، مما يُشير إلى تدهور حاد في العلاقات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
  • وُقّعت اتفاقية توحيد الإنفاق العام في 11 نيسان 2026 بمشاركة مصرف ليبيا المركزي والجهات الحكومية ذات الصلة.
  • يرى المعارضون البرلمانيون أن الاتفاقية تُجرّد مجلس النواب من صلاحيته الدستورية في اعتماد الميزانية ومراقبة الإنفاق.
  • انقسم الإنفاق العام الليبي بين إدارتين متنافستين شرقيّة وغربيّة منذ بداية الانقسام السياسي في عام 2014.
  • يعمل مصرف ليبيا المركزي على توحيد العمليات المالية عبر المنطقتين في إطار جهوف المصالحة الأوسع نطاقاً.
  • فشلت محاولات سابقة متعدّدة لتوحيد ميزانية ليبيا بسبب خلافات سياسية حول تخصيص الإيرادات وأولويات الإنفاق.

أصوات من البرلمان: "لن نُمرّر اتفاقية تُقصي ممثلي الشعب"

أعرب أعضاء مجلس النواب عن إحباط متّعاظم مما وصفوه بانتهاك للصلاحيات البرلمانية. وقال مصدر برلماني رفيع المستوى مطلع على المداولات: "الاتفاقية بصيغتها الحالية تضع كامل صلاحيات اتخاذ القرار المالي خارج الإطار التشريعي، وهو أمر غير مقبول من الناحية الدستورية. لن نكون أداة تمرير لاتفاقية تُقصي الممثّلين المنتخبين للشعب الليبي." ويعكس هذا التراجع البرلماني توتّرات أعمق في المشهد السياسي الليبي، حيث تتضارب مزاعم الشرعية وتُعقّد الجهود الرامية إلى إنشاء هياكل حوكمة موحّدة. وقد سعى مجلس النواب المتمركز شرق ليبيا منذ فترة طويلة إلى تعزيز نفوذه في مواجهة حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً والموجودة في طرابلس.

لماذا يهمّ هذا مستقبل ليبيا؟

يحمل الانهيار المحتمل لاتفاقية توحيد الإنفاق العام تداعيات عميقة على الاستقرار الاقتصادي لليبيا ومسيرة المصالحة السياسية. وتُعتبر الميزانية الموحّدة الفاعلة ضرورة ماسّة لمعالجة الاحتياجات الملحّة للبلاد، بما في ذلك إعادة إعمار البنية التحتية ودفع رواتب القطاع العام وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين في جميع المناطق.

عانى الليبيون لأكثر من عقد من الانقسام المؤسسي الذي أثّر بشكل مباشر على مستويات المعيشة، من انقطاع الكهرباء المتقطّع إلى تفتيت المنظومة الصحّية. ويُشكّل الفشل في الحفاظ على إطار مالي موحّد خطراً بتعميق هذه التحديات وقد يؤخّر مشاريع تنموية حيوية تُقدّر قيمتها ببلايين الدنانير. وقد شدّدت منظمات دولية، بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مراراً على أن التوحيد المالي شرط أساسي للتعافي الاقتصادي المستدام في ليبيا.

وبالنسبة للمواطن الليبي العادي، فإن المخاطر مباشرة وملموسة. فقد يُؤدّي انهيار الاتفاقية إلى تأخير صرف رواتب ملايين موظفي القطاع العام الذين يعتمدون على الأجور الحكومية، وتعطيل دعم الوقود الذي يُبقي تكاليف النقل في حدود معقولة، وتجميد جهود إعادة الإعمار في المدن التي لا تزال تحمل آثار سنوات من النزاع.

الخطوات المقبلة: ثمانون ساعة حاسمة

يراقب المراقبون عن كثب ما إذا كانت مفاوضات اللحظة الأخيرة ستنجح في إنقاذ الاتفاقية قبل أن ينفّذ البرلمان تهديده بالانسحاب. وتبقى القنوات الدبلوماسية مفتوحة، حيث يعمل وسطاء على تقريب وجهات النظر المتباينة. وتُعتبر الثمانية وأربعون ساعة المقبلة حاسمة في تحديد مصير أبرز جهود الإصلاح المالي في ليبيا منذ سنوات.

ويرى محلّلون أن التسوية التي تعالج مخاوف الرقابة البرلمانية مع الحفاظ على آليات التوحيد الجوهرية في الاتفاقية قد تشكّل السبيل الوحيد للمضي قدماً في هذا الملف. وقد حثّ المجتمع الدولي، بما في ذلك بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، جميع الأطراف على تغليب المصلحة الوطنية على الخلافات المؤسسية والحوار المستمر لحل النزاع بشكل سلمي. ويبقى الأمل معقوداً على أن يتحلّى الجميع بالحكمة الكافية لتجنّب انهيار قد تتداعى آثاره على كل مواطن ليبي.

— ليبيا برس / مكتب السياسة