تجاوز تقاسم السلطة في المجلس الرئاسي الليبي يهدد استقرار الاتفاق السياسي

اختبار الالتزام المؤسسي بالقواعد

تطور الخلاف الأخير حول تعيين رئيس جديد لجهاز المخابرات العامة الليبي إلى اختبار حقيقي لمدى الالتزام المؤسسي بالقواعد التي أنشئت عليها. وتكشد هذه المواجهة عن الهشاشة التي تلوح في إطار تقاسم السلطة الذي صُمِّم لمنع العودة إلى الصراعات التي شنّت ليبيا منذ سنوات.

وأصبح النزاع داخل المجلس الرئاسي اختباراً حقيقياً لما إذا كانت مؤسسات الدولة لا تزال ملتزمة بالقواعد التي أنشئت عليها، خاصةً في ظل محاولات بعض الفصائل إفراز مصالح إقليمية عن مصلحة الوحدة الوطنية.

الخلفية: بنية الاتفاق السياسي

أنشأ الاتفاق السياسي الذي يُرسّخ هيكل الحكم الحالي في ليبيا، تعيين 75 مشاركًا لاختيار مجلس رئاسي ثلاثي يمثل طرابلس وبرقة وفزان، بغرض ضمان التمثيل المتوازن ومنع سيطرة أي منطقة على الحكم الوطني.

وقد وضع الاتفاق عملية واضحة للتعيينات واتخاذ القرارات، كما كان من المفترض أن تكون ملزمة لجميع المؤسسات، وفقاً لما أفادته مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي في تحليلها لإعادة هيكلة نموذج تقاسم السلطة في ليبيا بعد الصراعات التي انتشرت بعد عام 2011.

أزمة التعيين في جهاز المخابرات العامة

تتحديداً، تتحور الأزمة الحالية حول اختيار رئيس جديد لجهاز المخابرات العامة، وهو منصب يُعَدّ حجر الزاوية في عمليات الأمن الوطني. ويسلط الخلاف الداخلي في المجلس الرئاسي الضوء على توترات أعمق داخل نموذج تقاسم السلطة، حيث يبدو أن الفصائل الإقليمية تؤكد على تفضيلات متباينة.

كما أفادت "ليبيا أوبزرفر" أن النزاع "تطور إلى ما هو أبعد من الخلاف الإداري الداخلي داخل المجلس الرئاسي"، مشيرة إلى أنه يتساءل الآن عن مدى الالتزام "بين مؤسسات الدولة والقواعد التي أنشئت عليها"، وهو سؤال يهدد مصداقية التسوية السياسية نفسها.

ديناميكيات القوة الإقليمية

في قلب ليبيا، تتميز كل من طرابلس وبرقة وفزان بمصالح سياسية ودوائر انتخابية متميزة، لكن هذه الفروق تُعدّ العنصر الأساسي في نموذج تقاسم السلطة الذي تم تصميمه لتحقيق التوازن بين هذه الأولويات مع الحفاظ على الوحدة الوطنية.

ومع ذلك، تشير التحليلات إلى أن "إذا تُركت القوى الإقليمية والعالمية دون رادع، فقد تتوصل إلى اتفاقيات قصيرة الأجل تعتمد على اعتبارات تجارية أكثر منها سياسية"، وهو سيناريو يهدد بتقويض شرعية المؤسسات السياسية المحلية.

التداعيات الدولية واستجابتها

لقد لعبت الأمم المتحدة دوراً محورياً في دعم العملية السياسية في ليبيا، حيث اعتبرت المجلس الرئاسي جزءاً من التزامها بالحكم السلمي. وقد استثمر أصحاب المصلحة الدوليون قدراً كبيراً من الجهود الدبلوماسية في ترتيبات تقاسم السلطة، ويرون أن تآكلها يمثل انتكاسة كبيرة على الصعيد الدولي.

ومن جانبها، تعمل آليات الدعم التابعة للأمم المتحدة على التوسط بين الفصائل المتنافسة وتشجيع الالتزام بأحكام الاتفاق السياسي، مُصراً على أن استجابتها ستُؤثر على ما إذا كان نموذب التقاسم القادر على التعافي من هذا التحدي.

المسار إلى الأمام لحكومة ليبيا

إن حل هذا النزاع حول التعيينات سيكون له آثار كبيرة على المسار السياسي، حيث إذا احترمت المؤسسات الإجراءات المعمول بها، فقد يؤدي ذلك إلى تعزيز الثقة في نموذج تقاسم السلطة. أما إذا طغت المصالح الإقليمية على القرارات الجماعية، فقد يشير ذلك إلى العودة إلى أساليب الحكم الأكثر تجزئة.

تظل الانتخابات البرلمانية هي الهدف النهائي لإطار الاتفاق السياسي، والحفاظ على المصداقية المؤسسية خلال هذه الفترة الانتقالية أمرٌ ضروريٌ لتحقيق ذلك الهدف، بغض النظر عن أن الأزمة الحالية بمثابة اختبار حاسم لمدى قدرة تجربة الحكم في ليبيا، التي مرت بعد الصراع، على الصمود في وجه الضغوط الداخلية.

— ليبيا برس / مكتب الأخبار