تصعيد جديد في غرب ليبيا: محتجون يغلقون مجمع مليتة للنفط والغاز ويمنعون دخول العاملين

مع تفاقم أزمة الكهرباء، محتجون ليبيون يغلقون أحد أكبر منشآت الطاقة في البلاد

صعّد محتجون في غرب ليبيا تحركاتهم الاحتجاجية بإغلاق مجمع مليتة للنفط والغاز، أحد أهم منشآت الطاقة في البلاد، ومنع دخول جميع العاملين والموظفين إليه، وفق ما أكدته مصادر محلية متعددة اليوم الاثنين.

وتأتي هذه الخطوة في إطار تصعيد لافت لموجة الاحتجاجات التي تجتاح مدن غرب ليبيا، والمندفعة بتدهور الأوضاع المعيشية وأزمة الكهرباء الحادة التي جعلت المواطنين يعانون انقطاع التيار لساعات تصل إلى 12 ساعة يومياً، وسط موجة حر شديدة ودرجات حرارة مرتفعة.

محتجون من خمس بلديات ينسقون إغلاق المجمع

وبحسب تقارير محلية، نفذ محتجون من بلديات الجميل وزلطن ورقدالين وزوارة والعجيلات عملية الإغلاق بالتنسيق فيما بينهم، حيث أقاموا نقاط إغلاق عند مداخل المجمع ومنعوا الموظفين والمقاولين من الدخول، مما أدى إلى توقف العمليات فعلياً.

وجاء هذا الإجراء عقب تحذيرات سابقة من قيادات مجتمعية وأهالي المنطقة بأن التصعيد سيكون الخيار الوحيد إذا لم تتحرك حكومة الوحدة الوطنية لمعالجة أزمة الكهرباء المتفاقمة. ويؤكد الطابع المنسق للإغلاق تنامي قدرات الحراك الاحتجاجي في تنظيم تحركاته.

مليتة: منشأة استراتيجية في قلب قطاع الطاقة الليبي

يُدار مجمع مليتة الواقع على بعد نحو 100 كيلومتر غرب العاصمة طرابلس من قبل شركة مليتة للنفط والغاز بي.في، وهي مشروع مشترك بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني الإيطالية. تقوم المنشأة بمعالجة وتجهيز الغاز الطبيعي الموجه للأسواق الأوروبية عبر خط أنابيب "غرين ستريم" البحري الذي يربط ليبيا مباشرة بإيطاليا.

تشير تقديرات المؤسسة الوطنية للنفط إلى أن مليتة تدير نحو 30% من إجمالي إنتاج ليبيا من الغاز الطبيعي، ما يجعلها عنصراً لا غنى عنه في البنية التحتية للطاقة. ويحذر محللون من أن أي إغلاق مطول قد يؤدي إلى تعطيل إمدادات الغاز إلى أوروبا في وقت تتصاعد فيه حالة عدم الاستقرار في أسواق الطاقة بالبحر المتوسط.

احتجاجات واسعة تشل غرب ليبيا

يأتي إغلاق مليتة في سياق حركة احتجاجية أوسع أصابت مناطق واسعة من غرب ليبيا بالشلل التام. ففي جنزور، أغلق المتظاهرون الطريق الساحلي السريع الرابط بين طرابلس والمدن الغربية، مما اضطر السيارات إلى سلوك طرق بديلة. وفي مصراتة، خرج المئات في وقفة احتجاجية أمام مقر المجلس البلدي للمطالبة بحلول عاجلة لأزمة الكهرباء وتحسين الخدمات الأساسية.

وأفادت بوابة "البوابة" الإخبارية بأن الاحتجاجات تضمنت إغلاق طرق في ضواحي العاصمة، مع تزايد الدعوات للحكومة لاتخاذ إجراءات جادة لمعالجة انهيار البنية التحتية. ونقلت قناة العربية عن المحلل الليبي معلى وصفه الوضع بأنه "تصويت بحجب الثقة من الشارع في حكومة الدبيبة"، مشيراً إلى أن الاحتجاجات الحالية تتجاوز كونها موجة غضب عابرة مرتبطة بأزمة الكهرباء.

صمت رسمي من الحكومة والمؤسسة الوطنية للنفط

حتى صباح اليوم الاثنين، لم يصدر أي بيان رسمي من حكومة الوحدة الوطنية أو المؤسسة الوطنية للنفط أو إدارة مجمع مليتة بشأن الإغلاق أو تأثيره على مستويات الإنتاج. وقد زاد صمت العاصمة طرابلس من إحباط المحتجين، الذين يتهمون السلطات بتجاهل تدهور الأوضاع المعيشية في المدن الغربية.

وتظهر بيانات قطاع الكهرباء تراجعاً حاداً في قدرة ليبيا على توليد الطاقة مقارنة بالطلب المتزايد، حيث تفاقمت الأزمة بفعل تقادم البنية التحتية ونقص الوقود وتراكم أعمال الصيانة. ومع تجاوز درجات الحرارة في الصيف 40 درجة مئوية في المدن الساحلية، أصبحت الانقطاعات الطويلة لا تطاق بالنسبة للأسر التي تعتمد بالكامل على الكهرباء في ضخ المياه والتبريد.

تداعيات اقتصادية وإنسانية خطيرة

يحمل إغلاق مليتة تداعيات اقتصادية عميقة. فإلى جانب خسارة عائدات النفط والغاز التي تشكل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة في الاقتصاد الليبي، قد يؤدي توقف معالجة الغاز إلى التأثير على توليد الكهرباء محلياً، إذ تعتمد عدة محطات كهربائية ليبية على إمدادات الغاز من مليتة، مما يعني أن الاحتجاج قد يفاقم أزمة الكهرباء التي أشعلته في المقام الأول.

على الصعيد الإنساني، تواصل الأوضاع تدهورها. يقول سكان في المناطق المتضررة إن انقطاع التيار الكهربائي لمدة تتراوح بين 8 و12 ساعة يومياً يجعل من المستحيل تقريباً حفظ المواد الغذائية أو تشغيل الأجهزة الطبية. وتبلغ المستشفيات في المدن الغربية عن صعوبات في الحفاظ على سلاسل تبريد اللقاحات وتشغيل وحدات العناية المركزة خلال فترات الانقطاع.

الأيام القادمة حاسمة

ستكون الأيام المقبلة اختباراً حقيقياً لمدى استمرار الزخم الاحتجاجي أو استجابة الحكومة بوعود وحلول جزئية. تعودت ليبيا في موجات احتجاج سابقة أن تهدأ الأمور بعد حزم إغاثة مستهدفة، لكن هذه الأزمة تعكس إخفاقات هيكلية أعمق في قطاع الكهرباء تراكمت على مدى سنوات من نقص الاستثمار والفساد والانقسام السياسي.

في الوقت الراهن، يبقى أهالي غرب ليبيا في الشوارع، يطالبون ليس فقط بالكهرباء، بل بالمساءلة والكرامة.

— ليبيا برس / مكتب الأخبار